تحولت قضية خروج ثلاثة محتجزين من أبناء العشائر من أحد مقار ميليشيا" الحرس الوطني" في مدينة السويداء إلى أزمة أمنية وسياسية داخل التشكيل المسلح، وسط اتهامات متبادلة بين قياداته وعناصره بشأن تسهيل خروج المحتجزين مقابل مبالغ مالية.
وتطورت القضية لاحقاً إلى اقتحام مقر القيادة واعتقالات طالت قياديين بارزين، في مشهد أعاد إلى الواجهة ملفات الفساد والتهريب والصراعات الداخلية، التي رافقت تشكيل الحرس الوطني منذ تأسيسه، شهر أيار الماضي.
وتزامنت الأزمة مع موجة غضب شعبية في المحافظة، إذ اعتبر ناشطون وأهالٍ أن ما جرى لا يقتصر على خرق أمني معزول، بل يكشف عن شبكة مصالح وعلاقات تربط بعض الشخصيات النافذة داخل" الحرس الوطني" بشبكات تهريب تنشط بين السويداء ودرعا، وسط اتهامات باستخدام ملف المحتجزين لتحقيق مكاسب مالية.
مع تصاعد الاتهامات، خرج عشرات المحتجين إلى شوارع السويداء مطالبين بمحاسبة المتورطين وكشف نتائج التحقيقات للرأي العام، بينما اتجهت الأنظار نحو المكتب الأمني التابع لـ" الحرس الوطني"، الذي وجد نفسه في قلب الانتقادات الشعبية.
" ابتزاز مالي مقابل إخراج المحتجزين"وبحسب معلومات حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من مصادر مطلعة في السويداء، فإن قضية المحتجزين لا يمكن فصلها عن ملفات أوسع تتعلق بعمليات تهريب أسلحة ومواد مخدرة تنشط بين السويداء ودرعا، عبر شبكات تضم عناصر وقيادات مرتبطة بـ" الحرس الوطني"، بالتعاون مع مجموعات وعشائر من أبناء السويداء الموجودين في درعا، إضافة إلى أطراف من بعض عشائرها.
وتشير المصادر إلى أن عملية الإفراج عن المختطفين سبقتها ترتيبات مالية قبل أن تنتهي بالإفراج عن ثلاثة مختطفين من أصل أربعة متفق على إخراجهم من مركز الاحتجاز.
وأثارت هذه المعلومات صدمة داخل الأوساط المحلية، إذ اعتبر كثير من أبناء المحافظة أن القضية تجاوزت حدود ملف الاختطاف لتكشف عن وجود مصالح وشبكات نفوذ تعمل في الظل وتستفيد من الأزمات الأمنية التي تعيشها السويداء.
وترجح المصادر أن المفاوضات حول إخراج المحتجزين، جرت بين أطراف مرتبطة بالعشائر وبعض العناصر النافذة داخل" الحرس الوطني"، حيث دارت مناقشات حول مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.
" اعتقالات داخلية لم تهدئ الشارع"في محاولة لاحتواء التداعيات، نفذت مجموعات تابعة لـ" الحرس الوطني"، سلسلة إجراءات داخلية شملت اعتقال تسعة أشخاص على الأقل، بينهم مدنيون، لكن هذه الاعتقالات لم تنجح في تبديد حالة الاحتقان الشعبي، بل دفعت إلى مزيد من التساؤلات حول حجم الاختراقات داخل التشكيل، وطبيعة الجهات التي يشتبه باستفادتها من عمليات الابتزاز أو ارتباطها بشبكات التهريب.
وتزامنت القضية مع إقالة القيادي جهاد الغوطاني، الذي تتهمه مصادر محلية بالارتباط بملف الابتزاز الذي رافق الإفراج عن المختطفين، إلا أن قيادة ميليشيا" الحرس الوطني" حاولت الفصل بين الإقالة والأزمة الحالية، حيث أفاد قائد الميليشيا طلال عامر، بأنّ استبعاد" الغوطاني" جاء في إطار عملية إعادة هيكلة إدارية وقيادية داخل التشكيل.
وقال عامر إن" الحرس الوطني" يعمل على تطوير بنيته التنظيمية بما يتوافق مع نماذج تنظيمية حديثة، معتبراً أن التغييرات الأخيرة تندرج ضمن عملية تنظيمية داخلية لا ترتبط بحادثة المختطفين، غير أن هذه التوضيحات لم تنجح في تهدئة الشارع، الذي رأى أن الإجراءات المتخذة جاءت تحت ضغط الغضب الشعبي أكثر مما جاءت نتيجة مراجعات داخلية حقيقية.
" المكتب الأمني في دائرة الاتهام"مع اتساع دائرة الانتقادات، تركزت الأنظار على المكتب الأمني التابع لـ" الحرس الوطني"، الذي يشرف عليه سلمان الهجري نجل الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري.
ويتهم ناشطون ومحتجون، المكتب الأمني بالارتباط بالترتيبات التي رافقت الإفراج عن المحتجزين، إضافة إلى غض الطرف عن أنشطة مرتبطة بملفات التهريب داخل محافظة السويداء.
ويضم المكتب الأمني التابع لـ" الحرس الوطني" عدداً من الشخصيات البارزة، من بينها: مهند مزهر ورامي اشتي ونورس عزام وطارق المغوش وأشرف جمول ويعرب زهر الدين.
احتجاجات أمام مبنى المحافظةمع تصاعد الغضب الشعبي، شهدت مدينة السويداء احتجاجات واعتصامات أمام مبنى المحافظة شارك فيها عشرات المواطنين وذوو محتجزين في دمشق وناشطون مدنيون.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بمحاسبة جميع المتورطين في القضية، وكشف نتائج التحقيقات للرأي العام، وإنهاء ما وصفوه بحالة الإفلات من المحاسبة التي رافقت عدداً من الملفات الأمنية خلال الفترة الماضية، كما لم تقتصر المطالب على التحقيق في قضية المحتجزين، بل امتدت إلى المطالبة بإعادة النظر في آليات إدارة الملف الأمني داخل المحافظة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في عمليات تهريب أو ابتزاز.
وقال مشاركون في الاعتصامات لموقع تلفزيون سوريا، إن القضية لم تعد تتعلق بثلاثة محتجزين فقط، بل باتت مرتبطة بمستقبل الثقة بـ" الحرس الوطني" والتشكيلات التي تدير الملفات الحساسة في المحافظة، معتبرين أن التشكيل بات على حافة الفشل في إدارة هذه الملفات.
" غضب عائلات المحتجزين في دمشق"امتدت تداعيات الأزمة إلى ملف المحتجزين من أبناء المحافظة الموجودين في دمشق، إذ أعرب ذووهم عن غضبهم مما جرى، معتبرين أن أي جهد لإطلاق سراح محتجزين كان ينبغي أن يترافق مع العمل على الإفراج عن أبناء السويداء المحتجزين في دمشق، عبر اتفاق مع الحكومة السورية لتبادل الأسرى.
ورأى كثير منهم أن اللجوء إلى ترتيبات مالية بدلاً من السعي إلى حلول شاملة يؤكد وجود خلل في إدارة الملف، ويعكس غياب الأولوية لقضية المحتجزين لدى الجهات التي تتولى متابعته، فيما تحوّل هذا الغضب إلى جزء من الاحتجاجات التي شهدتها المدينة، حيث رفع المشاركون مطالب تتعلق بالكشف عن مصير المحتجزين والعمل على إعادتهم إلى المحافظة.
تناقضات تأسيس" الحرس الوطني"أعادت الأزمة الحالية إلى الواجهة الجدل القديم حول طبيعة" الحرس الوطني" وتركيبته الداخلية، فوفق مصادر محلية في السويداء، يضم التشكيل شخصيات ذات خلفيات متناقضة، تشمل ضباطاً وعناصر كانت لهم صلات بمؤسسات النظام المخلوع، إلى جانب شخصيات متهمة بالعمل في شبكات تهريب وتصنيع مخدرات، فضلاً عن ناشطين شاركوا في الحراك الشعبي المناهض للنظام خلال السنوات الماضية.
وأدى هذا الخليط المتباين إلى بروز خلافات متكررة حول هوية التشكيل ودوره وطبيعة علاقته بمؤسسات الدولة والقوى المحلية الأخرى، كما انعكست هذه التناقضات على علاقته بالفصائل المحلية البارزة في السويداء، وفي مقدمتها حركة رجال الكرامة وقوات شيخ الكرامة، اللتان رفضتا الانضمام إلى الحرس الوطني منذ تأسيسه.
وبحسب مصادر مقربة من الحركتين، فإنّ الاعتراض لم يكن متعلقاً بالأشخاص فقط، بل شمل أيضاً التوجهات السياسية للحرس الوطني وموقفه من عدد من القضايا المفصلية داخل المحافظة.
ومع تصاعد الضغوط الشعبية، أعلن شادي مرشد، رئيس ما يسمى" مجلس إدارة السويداء"، أمام المعتصمين المحتشدين أمام مبنى المحافظة أنه" لن يكون هناك مكتب أمني بعد اليوم في السويداء"، مؤكداً أن الملف سيحال إلى القضاء العسكري.
وجاء الإعلان وسط ترحيب حذر من المحتجين، الذين اعتبروا الخطوة استجابة أولية لمطالب الشارع، لكنهم شددوا على ضرورة أن تتبعها إجراءات فعلية تضمن محاسبة المسؤولين وكشف الحقائق كاملة.
وحتى الآن لم تصدر تفاصيل إضافية حول آلية تنفيذ القرار أو الإجراءات القضائية المرتقبة بحق القائمين على المكتب الأمني، إلا أن مراقبين يرون أن تداعيات القضية مرشحة للاستمرار خلال الفترة المقبلة.
وبعيداً عن ملف المحتجزين، فتحت الأزمة نقاشاً واسعاً حول بنية" الحرس الوطني" ودوره ومستقبله، كما أعادت طرح أسئلة قديمة تتعلق بعلاقته بشبكات النفوذ المحلية والملفات الأمنية المعقدة في السويداء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك