لاشك أننا نعاني من شدة حر الصيف، التي من المفترض أن تلازمنا بل وتشتد لشهور عدة، حيث إن فصل الصيف لايزال في بدايته، وهو ما يجعلنا نبحث عن الحكمة لعلها تنزل بردًا وسلامًا علينا، خاصة وأن شدة حر الصيف تعد ابتلاء واختبار ينبغي أن ننجح فيه ونكن من الفائزين في الدنيا والآخرة.
ورد أن شدة حر الصيف تعد من الابتلاء الذي يصيب الناس ويلحقهم من عنت ولأواء، بسبب شدة حر الصيف وزمهرير الشتاء، بل إن شدة حر الصيف تعد أحد أنفاس جهنم وهو ما يوجب الانتباه والعظة.
وجاء عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا! فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشَّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».
أعمال تضاعف الأجر في شدة حر الصيفويعد الصبر في شدة حر الصيف على الطاعات والتجلد فيه على القربات مما يعظم الأجر عند رب الأرض والسماوات من جمع وجماعات، وطواف بالبيت أوقات الظهيرات.
وجاء أن المقصود من البلاء والابتلاء، تكفير السيئات، وتكثير الحسنات، ورفعة الدرجات، وهي ضُروب لا يمكن حصرها، ويعسر استقصاؤها، منها المادية: من ضيق في الرزق، وعلة في البدن، وفقدان للأهل، وهلاك للحرث، ومنها معنوية: من حُزن، وهم، وغَم، وَخَوْفٍ، وَنَحْوِهَا.
فقد روي عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه- قَالَ: (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمْ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٌ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)، فالله -جل وعلا- يبتلي عباده ليشعرهم بفقرهم إليه وحاجتهم له، وعدم استغنائهم عنه.
فيهرعون إليه، ويستغيثون به، فيسمع دعاءهم، ويرى تذللهم، ويبصر تضرعهم، فتنقلب المحنة منحة، والبلاء هبة ومنة، والضر عبادة وخضوعًا، وإلا فإن الله غني عن تعذيب عباده.
قال الله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}، فهنيئًا لمن قابل ذلك بإحسان الظن بربه، فسلم أمره لله، ورضي واسترجع، وأعقب ذلك صدق الالتجاء، وإخلاص الدعاء، فاستحق من الله الرحمة والثناء، ويا خيبة ويا خسارة من قابل ذلك بالتسخط والعصيان، والتمرد والكفران، فباء بغضب من الرحمن.
ولا يفهم من ذلك الترغيب في التعرض للبلاء، ولا الحث على تمني الابتلاء - معاذ الله، فذلك من قلة العقل ونقص في الدين، فالمؤمن لا يدري أَيصبر أم يَسْخَط، أَيَشْكُر أم يَكْفُر، والعافية لا يعدلها شيء.
ولكن من سَبَق في علم الله أن يلحقه بلاء، وأن يُصاب بابتلاء، فعليه بالصبر والرضا ما استطاع، فإن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رفعت الأقلام وجفت الصحف، والأجر على قدر المشقة، متى ما حصلت اتفاقًا، وإنما هي أيام قلائل تمضي وتنقضي، ويبقى الثواب عند من لا يضيع عنده مثقال ذرة.
من تأمل الحكمة البالغة فيما خلقه الله تعالى في هذه الدنيا ليذكر بالآخرة، وحتى لا يستكين العباد إليها، فيكون في الدنيا من اللأواء والنصب والشدة، ما يذكرهم بأنها دار ممر لا دار مقر، ومن ذلك هذا الصيف، وهذا الحر، واختلاف الفصول، والليل والنهار.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر: أتدري أين تذهب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [سورة يس: 38].
و لا يمنع أن يكون للشيء من الظواهر الطبيعية، سبب ظاهر، وسبب خفي باطن، فهذا الحر في الظاهر اقتراب الشمس من الأرض، وفي الباطن، يقول -صلى الله عليه وسلم-: فإن شدة الحر من فيح جهنم، ولذلك، فإن الحر آية من آيات الله، أولاً.
حرارة الصيف تذكر بشدة عذاب الناروورد أنه تذكير بالآخرة، وعذاب النار، فقال -صلى الله عليه وسلم-: اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا؟ فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير.
وفي هذا: أن لجهنم أثر على الأرض، في هذا الحر، وكذلك من عذابها: شدة البرد، فيجتمع على أهلها حرارة شديدة محرقة، أي النار، وهو العذاب الأكثر، ونوع آخر، وهو برد شديد، في الوقت ذاته.
ومن المعلوم في الدنيا: أن نقل إنسان من حر شديد إلى برد شديد، فجأة، فيه تعذيب، والله -تعالى- قال عن المؤمنين في الآخرة إذا دخلوا الجنة: لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا [سورة الإنسان: 13]،وورد أن شدة الحر من فيح جهنم؛ تذكر بنار الآخرة، فنار الدنيا وحرها موعظة: أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أي النار أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً [سورة الواقعة: 72، 73] لما يكون في الآخرة.
و كان السلف -رحمهم الله: إذا مروا على شيء فيه نار تذكروا نار الآخرة، مر ابن مسعود بالحدادين، وقد أخرجوا حديدة من النار، فقام ينظر إليها، ويبكي! ، ودخل ابن وهب الحمام، وفيه الماء المسخن يعلو بخاره، فتذكر يوم القيامة، يوم يسقون الحميم: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [سورة الحج: 20].
وبكى بعض الصالحين لمنظر مثل هذا، فقال: يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [سورة الحج: 19] ولذلك، فإن المؤمن إذا رأى شدة الحر، تذكر قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [سورة التحريم: 6]، فيسعى لفكاك نفسه وأهله، من الأسباب التي تدخل النار.
وينبغي لمن كان في حر الشمس: أن يتذكر حرها في الموقف عندما تدنو من رؤوس الخلائق، وتصبح على قدر ميل، فينصهر الناس في العرق، إلا من أراد الله أن يكون في ظل عرشه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك