دخل ملفُّ دمج عناصر" الأمن الداخلي" (الأسايش) التابعين لـ" الإدارة الذاتية" في محافظة الحسكة مرحلة التنفيذ الفعلي، في خطوة تعدّ من أبرز محطات تطبيق التفاهمات المبرمة بين الحكومة السورية و" قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وسط تساؤلات عن آلية استيعاب العناصر، ومستقبل رواتبهم، وحجم الدور الأميركي في مراقبة هذه العملية ودعمها.
وأعلنت الجهات المعنية في الحسكة بدء الإجراءات العملية لدمج عناصر" الأسايش" ضمن مؤسسات وزارة الداخلية، بعد أشهرٍ من الترتيبات السياسية والإدارية التي أعقبت الاتفاقات الأخيرة بين دمشق و" قسد"، والتي استهدفت إعادة دمج مؤسسات" الإدارة الذاتية" ضمن هيكلية الدولة السورية.
أكد نائب قائد قوى الأمن الداخلي في الحسكة، محمود خليل، علي أن عملية الدمج بدأت رسمياً على الأرض، موضحاً أن المرحلة الأولى شملت إجراء مقابلات واختبارات إدارية لعشرات الضباط من" الأسايش" بهدف إدماجهم ضمن البنية التنظيمية لقوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية.
وأشار إلى أن العملية لا تقتصر على الضباط فقط، بل تشمل إعادة توزيع العناصر وفق احتياجات المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يضمن الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى كوادر" الأسايش" خلال السنوات الماضية، على حد قوله.
وفي السياق ذاته، أوضح نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ الاتفاق مع قسد، أحمد الهلالي، أن ملف الدمج يشهد تقدماً ملموساً، وأن المقابلات والإجراءات الإدارية بدأت وفق الأنظمة المعتمدة لدى وزارة الداخلية، في إطار خطة أوسع لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة في المحافظة.
من التفاهمات السياسية إلى الملف الأمنييرى مدير مركز رامان للأبحاث والاستشارات بدر ملا رشيد أن الوصول إلى مرحلة دمج الأسايش يمثل انتقالاً من التفاهمات السياسية العامة إلى معالجة أحد أكثر الملفات حساسية، وهو الملف الأمني.
ويشير ملا رشيد في حديثه لـ" تلفزيون سوريا" إلى أن الأشهر الماضية شهدت خطوات تدريجية لبناء الثقة بين الطرفين، شملت تعيين مسؤولين إداريين وأمنيين، وتنفيذ زيارات ميدانية مشتركة في مناطق حساسة داخل المحافظة، الأمر الذي ساعد على تهيئة الأرضية اللازمة للانتقال إلى مرحلة دمج المؤسسات الأمنية.
وبحسب رشيد، فإن الحكومة السورية و" قسد" حرصتا على تجنب الصدامات المباشرة عبر البدء بملفات أقل حساسية قبل الانتقال إلى ملف الأسايش الذي يرتبط مباشرة بإدارة الأمن الداخلي وحفظ النظام العام.
ووفقاً للمعطيات المتداولة، فإن عملية الدمج لا تعني نقل العناصر بشكل جماعي إلى وزارة الداخلية فقط، بل تشمل إعادة هيكلة كاملة للقوى الأمنية بما يتوافق مع القوانين والأنظمة السورية.
ويُتوقع أن يخضع المنتسبون الجدد لسلسلة من عمليات التدقيق الأمني والإداري واختبارات الكفاءة قبل تثبيتهم ضمن الهيكلية الجديدة، على أن يتم توزيعهم بحسب الاحتياجات الأمنية في مناطق المحافظة.
كما يجري العمل على نقل عدد من العناصر المنحدرين من منطقة عفرين إلى قوات الأمن العام هناك، في إطار خطة تهدف إلى الاستفادة من الكوادر المحلية وتعزيز الاستقرار الأمني في المناطق التي عاد إليها سكانها خلال الفترة الماضية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تسهم في تخفيف الحساسية المحلية المرتبطة بوجود قوى أمنية وافدة من مناطق أخرى، وتعزز من فرص نجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية.
ملف الرواتب من أبرز التحدياتويعدّ توحيد الرواتب من أكثر الملفات تعقيداً في عملية الدمج، وبحسب بدر ملا رشيد، فإن المعلومات المتداولة تشير إلى أن العناصر الذين انتقلوا إلى مؤسسات الدولة ما زالوا يتقاضون رواتب قريبة من تلك التي كانوا يحصلون عليها سابقاً، مع وجود آليات لتعويض الفوارق المالية الناجمة عن اختلاف أنظمة الرواتب بين الإدارة الذاتية ومؤسسات الدولة.
ويضيف أن بعض عناصر قسد الذين اندمجوا سابقاً ضمن وزارة الدفاع يتقاضون رواتب من الدولة السورية، في حين يتم تغطية الفارق المالي من جهات مرتبطة بالإدارة الذاتية أو المؤسسات التابعة لها.
أما بالنسبة لعناصر الأسايش، فما زالت تفاصيل الآلية النهائية للرواتب غير معلنة رسمياً، لكن المؤشرات الحالية تفيد بوجود ترتيبات انتقالية تمنع حدوث انخفاض كبير في دخل العناصر خلال فترة الدمج، يضيف رشيد.
ويرى خبراء أن نجاح هذه الآلية سيكون عاملاً أساسياً في ضمان استقرار العناصر داخل المؤسسات الجديدة ومنع ظهور مشكلات تنظيمية أو إدارية خلال المرحلة المقبلة.
الدور الأميركي ومصير الدعم المخصص لقسدبالتوازي مع خطوات الدمج، يبرز سؤال آخر يتعلق بمستقبل الدعم الأميركي المخصص لـ" قسد"، خصوصاً بعد إدماج أجزاء من هذه القوات ضمن المؤسسات السورية.
ويقول مدير برنامج الشرق الأوسط في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية، فادي حيلاني، إن الأموال التي خصصتها وزارة الدفاع الأميركية تأتي ضمن برامج مكافحة الإرهاب، وليست دعماً مباشراً لقسد ككيان سياسي أو عسكري مستقل.
ويوضح حيلاني في حديثه لـ" تلفزيون سوريا" أن هذه المخصصات المالية موجهة أساساً لتدريب القوات الشريكة، وتأهيل البنية التحتية الأمنية، وإدارة السجون ومراكز الاحتجاز المرتبطة بمحاربة" تنظيم الدولة" (داعش)، ولذلك فإن صرفها يخضع لرقابة أميركية مباشرة.
وبحسب حيلاني، فإن استمرار عملية الدمج لا يعني بالضرورة توقف هذه المساعدات، إذ يمكن لواشنطن مواصلة تمويل برامج مكافحة الإرهاب حتى بعد انتقال جزء من العناصر إلى مؤسسات الدولة السورية، طالما بقيت الأموال مخصصة للغرض الذي أُقرّت من أجله.
كما يشير إلى أن الإدارة الأميركية تراقب من كثب مسار دمج" قسد" و" الأسايش" ضمن المؤسسات السورية، وأن هذا الملف سيكون جزءاً من التقارير التي سترفعها وزارة الدفاع الأميركية إلى الكونغرس خلال المرحلة المقبلة.
ما العقبات التي قد تواجه العملية؟رغم التقدم الحاصل، ما تزال هناك تحديات قد تؤثر في سرعة استكمال عملية الدمج، وفي مقدمتها آليات تدقيق ملفات العناصر الأمنية وتحديد أعداد الذين سيجري تثبيتهم ضمن المؤسسات الرسمية، إضافة إلى مسألة إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية في بعض المناطق التي ما تزال تخضع لترتيبات خاصة أو انتقالية.
كما أن توحيد الهياكل الإدارية والأمنية يتطلب وقتاً وجهداً كبيرَين، خاصة في ظل اختلاف الأنظمة التي كانت مطبقة خلال السنوات الماضية بين مؤسسات" الإدارة الذاتية" ومؤسسات الدولة.
ما يجعل نجاح عملية الدمج مرتبطاً بقدرة الجانبين على معالجة القضايا الفنية والإدارية بعيداً عن التجاذبات السياسية، مع الحفاظ على الاستقرار الأمني في المحافظة.
ويمثل بدء دمج عناصر" الأسايش" في وزارة الداخلية خطوة مفصلية في مسار إعادة بسط مؤسسات الدولة السورية في محافظة الحسكة، كما يعكس تقدماً عملياً في تنفيذ التفاهمات المبرمة بين الحكومة و" قسد".
ورغم استمرار التحديات المتعلقة بالرواتب، والتدقيق الأمني، وإعادة هيكلة المؤسسات، فإن الانتقال من مرحلة التفاوض إلى التنفيذ الفعلي يشير إلى وجود إرادة لدى الطرفين للمضيّ في هذا المسار.
وفي حال نجاحه، قد يشكل نموذجاً يمكن تطبيقه على بقية المؤسسات الأمنية والإدارية، بما يسهم في إعادة توحيد الهياكل الحكومية وتعزيز الاستقرار في شمال شرقي سوريا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك