ما مر عام والعراق ليس فيه جوعالمرادف السوداني ما مرعام والسودان ليس فيه حربقد تكون الفتنة التي يقصدها على بن أبي طالب نائمة في أي مكان في العالم بمعايير الصحابي الجليل ولكنها قطع شك مستيقظة لا يداعب النعاس جفونها في السودان.
هذا وطن مسكون بالتناقضات فهناك 500 قبيلة منها عربية وأفريقية وخاطفة لونين وهناك 150 لغة غير مكتوبة مع تفشي الجهل والفقر والأمية وضعف التواصل لتباعد المسافات وكلها مستودعات وأدوات لتفريخ الفتن.
خلال الأيام الماضية تصاعدت أصوات تتحدث عن تعالي صوت الكراهية ورفض الآخر محذرة بأنها الشرارة الأولى للفتنة.
ولكن رغم الاعتراف بدور العصبيات والانتماءات القبلية والجهويات في تمزيق النسيج الاجتماعي اعتقد ان تعليق الفتنة فقط في رقبة هذه الحقائق الاجتماعية من الطابع القومي السوداني توصيف غير دقيق بالأخص في وقتنا الراهن.
في تقديري فالقضية أكبر اذ ان المحرك الرئيسي لاشتعال خطاب الكراهية وصناعة الفتن هو العامل الاقتصادي فالسودان يعيش أكبر أزمة اقتصادية في تأريخه.
الخدمات في أدنى مستوياتها معدومة واسعار السلع الأساسية نار الله الموقدة والتضخم يتضاعف بمتواليات هندسية لتتحول الحياة الى جحيم ضربت اقرازاته المجتمع فتمددت الجريمة وشاهدنا جرائم لم تكن في الحسبان.
ظواهر الحرمان والمعاناة وعذابات الحياةأصابت بالخلل قيم التعايش وقبول الآخر فحينما يضرب الطوفان المدمر الواقع تتآكل الروح الجماعية ويصارع الانسان الأهوال منفردا لانقاذ رقبته فكما يقول خبراء علم الاجتماع ان الانسان حينما يواجه خطرا حادقا يعتقد ان كل المجتمع يستهدفه وعليه يتحرك سريعا بحثا عن منفذ للمخارجة والأمر هنا أشبه بما يقوله الله في محكم تنزيله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ).
النتيجة انه من الطبيعي وأمام ضغوطات الحياة غير المسبوقة والجوع والمسبغة ينهشان في الضلوع مع انعدام أي أفق لحلول اسعافية وجهود توفر الأساسيات الضرورية حتى في مستوياتها الدنيا يبدأ البحث عن موارد وسبل كسب العيش حتى خارج حوش أرضه المعروفة حدودها بالأعراف الراسخة في باطن الأرض منذ عشرات السنين.
هكذا قرأت مقولات أهلنا البني عامر عن ملكيتهم لمنطقة (حيدوب) وحيدوب هذه لا تقع جنوب طوكر بل على بعد فركة كعب من سواكن.
هكذا أيضا قرأت تصريحات لترك عن ملكية سواكن للهدندوة وهكذا أيضا فسرت تغول قوات من المشتركة التي تنتمي لغرب السودان في أراضي منطقة آرياب التابعة لاثنية (الأمرأر) شرق السودان لوضع اليد عليها ,أقول هذا رغم ايماني الذي لا يتزعزع بأن هذه الأراضي ومعظمها صحاري جرداء يمكن أن توفر الأمن والغذاء والاستقرارلمئات الآلاف لو تم استغلال مواقعها الجغرافية وامكانياتها المعدنية بالصورة المطلوبة بدلا من الركون الى النزاعات العبثية.
الذي يستوقف هنا عن ميناء حيدوب.
هل قلت ميناء حيدوب؟ نعم قلته بمليء الفم فهو ميناء ولكنه معطل حتى اشعار آخر والنزاع حوله بين البني عامر وقبيلة الكميلاب يدخل ضمن المفارقات المثيرة للضحك من شاكلة النزاع على جلد الدب قبل اصطياده والخلاف حول الوتد قبل تأمين الحمار وتهشيم زجاجة السمن قبل الحصول على زبون.
ورغم ذلك تثور النزاعات والخلافات التي قد تنتهي الى مواجهات دامية بحثا عن فرص للتوظيف وهنا لابد من الاشارة الى لفيف من الألغاز الحائرة التي تحتاج الى اجابات وهي ان ميناء حيدوب الذي قيل أنه لتصدير الماشية والخضروات والفواكه تم افتتاحه رسميا أمام كاميرات الاذاعة والتلفزيون بحضور مكثف من وزير التجارة الاتحادي وأعضاء الغرفة التجارية ومن اتحادات الاستيراد والتصدير وكان من الممكن أن يوفر هذا الميناء فرص عمل للعطالى الكثيرين بصرف النظر عن انتماءاتهم الاثنية كما هو الحال في الموانيء البحرية حيث تستوعب الآلاف من عمال الشحن والتفريغ خارج وداخل البواخر.
ولكن توقف العمل في (الميناء الجاهز) من طقطق للسلام عليكم بل لم يبدأ أصلا لأسباب لم يتم البوح عنها.
أخشى ما أخشى أن تتواصل النزاعات الأهلية حول فرص التوظيف والبنية التحتية للميناء تتأكل قبل أن تتحول الى ركام وحطام كالمباني الأثرية في جزيرة سواكن.
ينسحب هذا أيضا الى مصنع (الصلصة) في طوكر والذي تم تشييده في عهد ايلا وكان من الممكن أن يوفر فرص عمل للكثيرين من العطالى وكان يمكن أن تزيل الاحتقانات والتوترات الأثنية ولكن توقف العمل فجأة لأسباب لا نعلمها.
فهل هناك (شبه) فساد أومعوقات لم تتم دراستها بالصورة المطلوبة قبل افتتاح المشروع.
كلها أسئلة مشروعة أمام التعتيم المتعمد وأمام غياب المعلومات.
ينضم الى هذا الألغازأيضا مهزلة أخرى اسمها تصدير الماشية الى الجارة الشقيقة السعودية حيث يتم اعادة الكثير من البواخر يشحنتها من الضأن لأسباب اعتقد ان من بيتها عدم موائمتها للمعايير الييطرية المطلوبة للاستهلاك الآدمي ولا تختلف هنا معزتان عن الخسائر الناجمة لكل الأطراف.
السؤال هنا اذا كان الأمر كذلك لماذا يتم أصلا تصديرها وهي غير مستوفية للشروط؟ ؟ لا توجد اجابات مقنعة لكل هذه الألغازسوى ان المسؤولين يعملون بقاعدة (وان بليتم فأستتروا).
لكن الذي أوجعني أكثر انه وخلال زيارة قمت بها الى زريبة غنم في حي النسيم شرق العاصمة الرياض لشراء أضحية العيد قبل أيام هو ان الباعة يعرضون علي المشتري ضمن المواشي خروف أطلقوا عليه (حمري تبوك) والحمري كما يعلم الجميع اكتسب اسمه من لون جلده وموطنه الأصلي ولاية كردفان ولكن الذي أمامي ينتمي لمدينة شمال السعودية اسمها (تبوك) وقد تمت تربيته في مزارع ضخمة للاستثماربعد استيلاده من نعاج تم تهريبها من السودان بالسنابيك من قبل مهربين (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) ومعناها أشخاص لاعهد لهم ولا أمان ولا يخافون الله.
اذا تخصصت تبوك السعودية في تربية الحمري وبكين الصينية في زراعة الكركدي وانجمينا التشادية في حصاد الصمغ العربي والقاهرة المصرية في تصدير سمسم القضارف فماذا تبقى للسودان غيرمأسوف عليه سوى سحب الأرض من تحت أقدامه وانتزاع لقب سلة غذاء العالم منه جهارا ونهارا؟ ؟ ؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك