أن تُلحق ابنك بمدرسة دولية في الخليج يعني، في الغالب، أن تراهن على مستقبل يتقن فيه لغة العالم ومعاييره، لكنّ الرهان نفسه يحمل قلقا صار مألوفا عند كثير من الأسر، وهو أن يعود الطفل من مدرسته أكثر طلاقة بلغة المنهج منه بلغة البيت، وأن تتراجع صلته بلغته وقيمه ومحيطه كلما تقدّم في صفوفه.
بين هذين الطرفين، الانفتاح على العالم والخوف من فقدان الجذور، يتحرّك سؤال تربوي قديم يبحث عن إجابة عملية.
list 1 of 2فتاة" البساط الطائر" التي كتبت نجاحها بفمها.
كيف أصبحت صفاء طه ملهمة العرب؟list 2 of 2“شهادات رهينة الرسوم”.
الأزمة المالية تحاصر 27 ألف خريج في غزة بعد الحرببالمقابل، تطرح" مؤسسة قطر" إطارا لاعتماد المدارس يحاول التوفيق بين المعايير الأكاديمية العالمية واللغة العربية والهوية المحلية.
وقدّمت مؤسسة قطر واحدة من هذه الإجابات حين أطلقت إطار الاعتماد الخاص بمبادرة" راسخ"، إحدى مبادرات التعليم ما قبل الجامعي فيها.
جاء الإعلان في ملتقى إستراتيجي بمبنى" ملتقى" (مركز طلاب المدينة التعليمية)، حضره الرئيس التنفيذي للمؤسسة يوسف النعمة وقيادات من المدارس الدولية الخاصة وشركاء في التعليم من قطر والعالم، وفيه عُرّفت الدفعة الأولى من المدارس التي ستسلك المسار.
الفكرة التي يقوم عليها" راسخ" تكاد تكون بديهية، غير أن تطبيقها أصعب من إعلانها.
فهو ليس منهجا جديدا يُضاف إلى ما في المدارس، ولا بديلاً عن البكالوريا الدولية أو برامج كامبريدج، بل إطار اعتماد يقيس قدرة المدرسة على مواءمة ما تقدّمه مع سياقها المحلي دون التفريط في معاييرها العالمية.
وهو بهذا أقرب إلى مرآة تربوية منه إلى وصفة جاهزة، تضع المدرسة أمام أسئلة عن لغتها وقيمها وصلتها بمحيطها، وتطالبها بإجابات قابلة للقياس.
يقوم الإطار على أربعة معايير تترجم الفكرة إلى ممارسة، أولها اللغة العربية بوصفها لغة تعلّم وإنتاج معرفة لا مادة على هامش اليوم الدراسي، وثانيها" توطين المنهج" بتطعيم المعايير الدولية بالأولويات الوطنية وأمثلة من بيئة المتعلم، وثالثها منظومة القيم الأخلاقية وقيم المواطنة، ورابعها توجيه ابتكار الطلبة نحو تحديات مجتمعهم لا نحو نماذج مستعارة.
والمدارس التي تستوفي هذه المعايير تنال شهادة اعتماد وحقّ استخدام علامة جودة باسم" راسخ"، وتنضمّ إلى شبكة تجمع المدارس السائرة في المسار نفسه.
هكذا يحاول الإطار أن ينقل عبارات يسهل الاتفاق عليها، أي اللغة والقيم والهوية، إلى معايير يمكن أن تُراجَع وتُقاس، وهي النقلة الأصعب في كل مشروع تربوي من هذا النوع.
ما يجعل المبادرة أكثر من إجراء إداري هو السؤال الذي تطرحه عن معنى" جودة التعليم" نفسه.
وربطت الشيخة نوف أحمد بن سيف آل ثاني، نائب رئيس المبادرات التعليمية الإستراتيجية في التعليم ما قبل الجامعي بمؤسسة قطر، في كلمتها الافتتاحية بين الجودة وصورة الطالب عن ذاته؛ فهي عندها لا تُقاس بما يتعلمه الطلاب وحده، بل بكيف" يرون أنفسهم ضمن عملية التعلّم"، وبصلتهم بلغتهم وبيئتهم وقيمهم.
على هذا المعنى تتكئ الحملة التوعوية المصاحبة، واسمها" جذور".
وتختصر الحملة رسالتها في ثلاث جمل تقول إن الجذور تمكّن اللغة العربية، وتغرس القيم، وترسّخ الهوية، تحت شعار" نحو تعليم يرسّخ الجذور ويصنع الأثر".
والاستعارة المختارة، أي الجذر الذي يثبّت الشجرة ويغذّيها، تلخّص الرهان كله، وهو أن يكون الانفتاح على العالم نموا في الأعلى لا اقتلاعا من الأسفل.
لم تُترك دعوى التوفيق بين العالمية والمحلية لمؤسسة قطر وحدها؛ ففي جلسة حوارية ضمّت ممثلين عن منظمة البكالوريا الدولية ومكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن ودار نشر جامعة كامبريدج والتقييم ومؤسسة" ترشيد"، حاول الشركاء أن يبيّنوا كيف تتّسع برامجهم لهذا التوجه.
فبحسب ما عرضته ماري تادرس من منظمة البكالوريا الدولية، تقوم برامج المنظمة على التعدد اللغوي والتعلّم بأكثر من لغة، بما ينسجم مع إطار يصل التعلّم بالعربية والثقافة والقيم.
وفي الاتجاه نفسه، وصفت فاطمة حسن فضل الله، مديرة فرع قطر في دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم، برامج المؤسسة بأنها أطر مرنة تتيح للمدارس تكييف المحتوى وإدماج اللغة والثقافة الوطنية دون مساس بالمعايير الأكاديمية.
أما فريدة أبودان أخصائية برامج التعليم بمكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن، فرأت في شراكة المنظمة مع مؤسسة قطر جسراً بين المعرفة العالمية والخبرة المحلية، يعزّز التعليم ثنائي اللغة ويوسّع مشاركة الأسر والمجتمعات في تعليم أبنائها.
يمضي مسار الاعتماد في مراحل متدرّجة تبدأ بتقديم المدرسة والتزامها المؤسسي، ثم تقييم ذاتي، فمراجعة وتقييم خارجيين، فمنح الاعتماد، تتبعه مراجعات دورية تُبقي الباب مفتوحا على التطوير.
ولا تنقطع العلاقة عند منح الشهادة، إذ يرافق الإطار المدارس بدعم مهني وتربوي مستمر، وهو ما يميّز اعتمادا قائما على المتابعة عن ختم يُمنح مرة ثم يُنسى.
والدفعة الأولى تتجاوز حدود قطر، فإلى جانب مدارس مؤسسة قطر، تضم القائمة أكاديمية المها للبنين وأكاديمية المها للبنات وأكاديمية الجزيرة والأكاديمية العربية الدولية في الدوحة ولوسيل، إضافة إلى مدرسة البكالوريا في عمّان بالأردن وثانوية حسام الدين الحريري في لبنان.
وفي هذا الامتداد الإقليمي ما يلمّح إلى طموح أبعد من التجربة المحلية، أن يصير" راسخ" نموذجا تتبنّاه مدارس عربية تواجه السؤال نفسه عن موقع اللغة والهوية في تعليم يطمح إلى العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك