لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقال رأي للمعلق بيتر بينارت، الأستاذ في جامعة سيتي بنيويورك، ومحرر مجلة “جويش كرانتس”، قال فيه إن واشنطن يجب أن تحاسَب على حروبها السيئة.
وأشار الكاتب إلى أن الرئيس دونالد ترامب يجري اختبارا عمليا لما سيحدث عندما يحصل الصقور في واشنطن على ما كانوا يحرضون عليه لعقود: حرب شاملة مع إيران، حيث تشير نتائج الاختيار الأولية إلى أنها كارثية، فمن المتوقع أن تكلف هذه الحرب الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار، وأسفرت عن أضرار جسيمة بالقواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وخفضت بشكل كبير مخزون الصواريخ الاعتراضية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة لردع الصين وغيرها من الخصوم المحتملين، وعرضت عشرات الملايين من الناس حول العالم لخطر المجاعة الحادة، وكذلك زادت من معدل التضخم في الولايات المتحدة.
وعلى الجانب الإيراني أدت إلى إصابة عدد كبير من الإيرانيين، بمن فيهم أكثر من 100 طفل قتلوا عندما أصاب صاروخ توماهوك مدرسة ابتدائية في بلدة ميناب.
ويضيف بينارت أن الحرب، ورغم كل هذه الخسائر الاقتصادية والبشرية، لم تحقق إلا القليل.
ففي الوقت الذي ظلت فيه مواقف وتصريحات ترامب متقلبة بشأن ما يريد أن يحققه من هذه الحرب، إلا أنه وخلال الأشهر الثلاثة الماضية ركز على ثلاثة أهداف رئيسية: القضاء على الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإنهاء البرنامج النووي، ومساعدة الشعب الإيراني على إسقاط حكومته، لكن لم يحدث أي من ذلك.
وبحسب الاستخبارات الأمريكية نفسها، لا تزال الجمهورية الإسلامية تحتفظ بنحو 70% من مخزونها الصاروخي الذي كان لديها قبل الحرب، فيما لم تقم الولايات المتحدة بقطع وصول إيران إلى اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكنها استخدامه لصنع قنبلة نووية.
وفي الوقت نفسه، لم تؤد الحرب إلى انهيار النظام في طهران، بل يمكن القول إن الحكومة الإيرانية أقوى مما كانت عليه عند بدء الحرب، بعد أن أثبتت قدرتها على شل الاقتصاد العالمي بتقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويبقى مصير هذه الحرب، من حيث كيفية ووقت انتهائها، غير واضح، لكن ثمة أمر واحد جلي: ستستمر مثل هذه الكوارث في السياسة الخارجية ما لم يحاسب المسؤولون عنها، ولو حدثت هذه المحاسبة بعد غزو أمريكا للعراق، لكان من المستبعد جدا أن تكون الولايات المتحدة في حالة حرب مع إيران اليوم.
وبحلول الولاية الثانية لجورج دبليو بوش، كان معظم الأمريكيين يعتقدون أن غزو العراق كان خطأ، وقد عبروا عن استيائهم لسنوات بعد ذلك من خلال التصويت المتكرر لمرشحين رئاسيين عارضوا الحرب، مثل باراك أوباما، أو على الأقل تظاهروا بمعارضتها، مثل دونالد ترامب، بدلا من المرشحين الذين أيدوا الغزو، مثل هيلاري كلينتون وجون ماكين.
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالمناصب المعينة، كوفئ المسؤولون الذين أيدوا الحرب، فقد اختار الرئيس أوباما نائبا له، جو بايدن، ووزيرين للخارجية، كلينتون وجون كيري، ممن صوتوا لصالح تفويض حرب العراق.
وفي ولايته الأولى، اختار دونالد ترامب مستشارا للأمن القومي، جون بولتون، الذي أيد الغزو.
وعندما أصبح بايدن رئيسا، اختار وزيرا للخارجية، أنتوني بلينكن، الذي كان كبير مستشاريه في السياسة الخارجية عندما أدلى بصوته الكارثي لصالح الحرب.
ولا يقتصر غياب المساءلة على السلطة التنفيذية، فقبل عامين، أحصى معهد كوينسي، وهو مركز أبحاث مناهض للتدخلات، عدد الخبراء الأكثر ظهورا في شهاداتهم أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب بين عامي 2021 و2024، في عهد كل من الديمقراطيين والجمهوريين.
وكان ثاني أكثر مراكز الأبحاث دعوة للحرب هو مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، التي أعلنت على موقعها الإلكتروني عشية حرب العراق: “نعلم أن صدام حسين يصنع أسلحة دمار شامل، بيولوجية وكيميائية ونووية، ولا يزال يشكل تهديدا خطيرا”.
وكان معهد المشاريع الأمريكية ثالث أكثر الجهات المدعوة، وقد تفاخر قبل غزو العراق بأنه “لعب دورا رائدا في تحديد التهديد الذي يمثله صدام حسين ووضع خطة لإعادة بناء العراق بعد رحيله”.
وها هم مسؤولون من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية ومعهد المشاريع الأمريكية، مرة أخرى، من بين أشد المؤيدين للحرب اليوم.
وقال الكاتب إن هذا لا يعني أنه يجب استبعاد كل صانع سياسات أو محلل أيد حربا فاشلة من النقاش العام.
ولكن على الأقل، ينبغي أن نتوقع من المحللين والمسؤولين الذين ثبت خطأ أحكامهم أن يتجاوزوا مجرد الندم على أخطائهم، وأن يظهروا أنهم أعادوا النظر في الافتراضات التي بنيت عليها.
ويقول الكاتب إنه أيد حرب العراق وكتب كتابا تناول فيه أسباب خطئه الفادح، “لكن هذا لا يصلح الضرر الذي ألحقته تعليقاتي، ولن يتخلص صناع السياسة الخارجية الأمريكية من إدمانهم على القوة العسكرية، ولن يدركوا أن على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية مع خصومها، بدلا من محاولة إخضاعهم بالقوة، إلا من خلال تحدي العقلية التي قامت عليها الحرب في العراق وإيران بشكل أكثر وضوحا”.
ومع ذلك، فبدلا من مطالبتهم بتصحيح أخطائهم السابقة، يعطى دعاة الحرب دائما فرصة أخرى من أجل الترويج للحرب.
ففي الأول من آذار/مارس، أي في اليوم التالي للهجوم الأمريكي على إيران، صرح الجمهوري عن ساوث كارولينا، ليندزي غراهام، أحد أكثر أعضاء مجلس الشيوخ تشددا في آرائه، في برنامج “ميت ذا برس” على قناة “إن بي سي”، بأن “إيران، أكبر دولة راعية للإرهاب، على وشك الانهيار”، وأعلن أن “برنامجهم الصاروخي وبرنامجهم النووي قد دُمرا”.
وعندما ظهر في البرنامج نفسه بعد شهرين ونصف، وبعد أن تبين عدم صحة أي من هذين الادعاءين، لم يطلب منه التعليق على تلك التصريحات، وتوقع أنه “إذا عدنا إلى النشاط العسكري وأضعفناهم أكثر، فسنتمكن من إنهاء هذا الأمر قريبا”.
ويذكر الكاتب أنه قبل عشرين عاما، حين كان الجنود الأمريكيون يقتلون في بغداد والرمادي، كان من الصعب تخيل أن تشن هذه الدولة حربا أخرى غير مبررة للإطاحة بحكومة في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فقد اندلعت حرب أخرى من هذا القبيل الآن، ويعود ذلك جزئيا إلى أن العراق غيّر الرأي العام الأمريكي أكثر بكثير مما غيّر النقاش حول السياسة الخارجية في واشنطن.
ويعد تصويت مجلس النواب الأخير لمحاولة وقف الحرب مع إيران، عبر تفعيل قانون صلاحيات الحرب، إشارة إلى أن المزيد من السياسيين يستجيبون أخيرا لمزاج البلاد المناهض للحرب، ومع ذلك تظل خطوة أولى صغيرة.
فبدون محاسبة أعمق، علينا أن نتوقع كوارث مستقبلية من صنع أيدينا، نقوض ليس فقط نفوذ أمريكا في العالم، بل أيضا ثقة الشعب في ديمقراطيتنا بالداخل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك