قبل نحو شهر كتبتُ في صحيفة سبق مقالًا بعنوان: «في مغاسل الأموات.
حيث يتكلم الصمت»، وظننتُ أنني أغلقتُ بابًا من أبواب الذاكرة ظلّ مواربًا قرابة عشرين عامًا، لكن بعض المشاهد لا تدفنها الأيام، بل تبقى كامنة في أعماق النفس حتى يوقظها خاطرٌ عابر.
ورغم أن تجربتي في مغاسل الأموات كانت قصيرة، فإن أثرها كان عميقًا؛ فليست التجارب بطولها، بل بما تتركه في الروح من ندوبٍ ودروس.
وهناك، خلف الأبواب التي يدخلها الناس للمرة الأخيرة، رأيت الدنيا مجردة من ألقابها ومناصبها، فلا يبقى إلا إنسان انتهت رحلته ووقف على أعتاب الآخرة.
ومن بين عشرات الجنائز التي مرت أمامي، بقيت ثلاث جنازات لا تغادر الذاكرة؛ جنازة أورثتني رهبة، وأخرى علمتني أن حقوق العباد لا تموت، وثالثة أيقنت معها أن الذكر الحسن حياةٌ أخرى يمنحها الله لبعض عباده بعد رحيلهم.
الأولى: الجنازة التي خرجت بعدها ولم أعد.
في أحد الأيام كنت جالسًا مع مجموعة الأصدقاء في المغسلة نتبادل أطراف الحديث، وإذا بصوت سيارة إسعاف يشق سكون المكان شقًا، ثم توقفت عند الباب حاملة جثمانًا جديدًا.
نهضنا كعادتنا لاستقبال الخثمان، غير أن شيئًا غريبًا تسلل إلى نفسي منذ اللحظة الأولى؛ ضيقٌ لا أعرف له سببًا، وكأن صدري يُطبق عليه شيء خفي كلما اقتربت من الجثمان.
بدأنا نجهز للغسل، وما إن شرعنا في نزع ملابسه حتى بدأت رائحة ثقيلة نافذة تنتشر في المكان، تزداد شيئًا فشيئًا حتى غلبت عليه كله، فأُشعل البخور مرة بعد مرة، لكن الرائحة كانت أقوى من أن تُغلب.
وضعت كمامة فوق أخرى، وحاولت أن أتماسك، لكن النفس كانت تضيق أكثر فأكثر.
وأثناء تفقد ملابسه التي كانت عليه وجدت في جيبه علبة سجائر، ثم بدأت أقلب الجثمان لإتمام الغسل.
وفجأة… وبلا سابق إنذار… ارتفعت يده بحركة مفاجئة واصطدمت بصدري.
كانت لحظة قصيرة في الزمن، لكنها طويلة في الذاكرة.
ارتجف جسدي كله، وسرت في أطرافي رعشة لم أنسها إلى اليوم، وتراجع من معي مذعورين، أما أنا فلم أستطع إكمال الغسل، وخرجت أتنفس الصعداء بصعوبة وكأن جبلًا انقضّ على صدري دفعة واحدة.
وكان هناك في ذلك اليوم ما هو أعمق من الموقف نفسه؛ إذ لم يكن حول الجثمان إلا شخص واحد فقط، على خلاف المعتاد من كثرة الحضور، وكأن في ذلك الغياب علامةً خفية لا تُدرك بسهولة.
حاولت بعد خروجي أن أستجمع قواي، وأن أهدأ قليلًا، وأن أعود لأفهم شيئًا من حياة هذا الرجل وسيرته، غير أن الخوف والرهبة كانا أشد من أن يُقاوما، حتى غلبا عليّ، ومنعاني من العودة.
وكانت تلك الحادثة بكل ما فيها من ثقل واضطراب، هي آخر عهدي بمغاسل الأموات، ونقطة التحول التي غادرت بعدها إلى غير رجعة، وكأنها ختمت مرحلة كاملة من حياتي.
الثانية: الجنازة التي علمتني أن حقوق العباد لا تموت.
في صباح يوم أخر، قرابة التاسعة صباحاً، وردني اتصال يطلب حضوري لتجهيز ميت.
حاولت الاعتذار، لكن إلحاح صديق للأسرة حملني على الذهاب.
وصلت وسألت عن المتوفى، فقيل لي: رجل في نهاية العقد الرابع من عمره، توفى في حادث سير.
لكن ما استوقفني لم يكن الجثمان، بل الوجوه التي أحاطت به؛ وجوه متجهمة، وعيون محمرة من البكاء، وصمت ثقيل لا يشبه إلا وجعًا خلفه قصة خفية.
تم تجهيز الميت، ثم نُقل إلى المسجد وصُلّي عليه، وبعد الدفن رأيت من هول الموقف ما لا يُنسى؛ إذ جلس كثير من الناس في زوايا المقبرة يبكون بكاءً مريرًا حتى خُيّل إليّ أن المكان كله يتحول إلى مأتمٍ واحد.
بل إن صديق الأسرة نفسه كان شديد التأثر، فسألته عن حال الرجل، فقال: كان بينه وبين أيتامٍ أرض استولى عليها، وظلمهم فيها، ورفض رد الحق رغم النصيحة وتم عقد مجلس صلح لكنه رفض، بل حلف اليمن على انها له أمام الناس.
ثم قال: خرجت من مجلسه وأنا أقول له: اتق الله، فإن الأرض كلها لا تستحق أن تلقى الله بمظلمة من أجلها.
ثم لم تمض إلا أيام حتى جاء خبر موته.
وهذا جزاء يمينه الغموس.
فسكتُّ وسكتَ هو.
لكن المشهد بقي حيًّا في داخلي، يذكرني أن حقوق العباد لا تموت، وإن غابت أعين الناس، وأن الله لا يضيع عنده مظلمة.
الثالثة: الجنازة التي علمتني أن الذكر الحسن حياة أخرى.
جاءني أحد الشباب وقال: توفى عبدالعزيز.
قال: شاب يمني من خيرة الشباب، لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.
وقال أريد ان تجهزه إذا انتهت اوراقه، قلت: إذا شاء الله.
وبقي الجثمان أيامًا في ثلاجة الموتى لعدم اكتمال الإجراءات.
وخلال تلك الأيام، لم أسمع عنه إلا خيرًا يزداد يومًا بعد يوم، حتى صار في قلبي كأنني أعرفه منذ زمن.
وفي أول أيام رمضان جاءني الاتصال يفيدني بإن أوراق عبدالعزيز جهزت واصدر تصريح الدفن.
اتجهت إلى المغسلة، وكُشف الغطاء عن وجه شاب في مقتبل العمر، كأن الحياة لم تفارقه إلا منذ لحظات.
وبدأت الغسل.
ومن أول لمسة شعرت بخفة عجيبة في الجثمان، خفة لم أعهدها في غيره، كأنني لا أحمل جسد إنسان، بل أحمل شيئًا أخف من النسيم.
وكان كل شيء يسير بسكينة مدهشة، حتى خُيّل إلي أن المكان كله ساكن في طمأنينة لا توصف.
فلما انتهيت، وضعته على الكفن، ولا تزال تلك اللحظة حاضرة في ذاكرتي إلى اليوم؛ فقد بدا في وجهه إشراق عجيب، فتذكرت قوله تعالى" وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ" بل ملامح مائلة إلى صفاءٍ أخضرٍ كانه زمرد أخضر يتلالا كأنه نورٌ ينساب من ملامحه.
ولا أزعم بذلك حكمًا ولا شهادةً لأحد، فالله أعلم بعباده، وإنما أصف ما رأته عيني وما استقر في قلبي.
ثم نُقل إلى المسجد، فإذا بالناس يتوافدون حتى امتلأت الصفوف والساحات، كأنهم يودعون رجلًا عاش بينهم طويلًا.
وبعد الدفن سألت أحد أقاربه عنه، فقال: كان بارًا بوالديه، يرسل إليهما ثلثي راتبه، ويؤثرهما على نفسه، ولا يفرط في صلاة الجماعة.
ثم قال: وفي صباح الحادث صلى الفجر في المسجد، ثم خرج إلى عمله، فكان قدر الله أن يقع الحادث في الطريق.
فعلمت أن الأعمار لا تُقاس بطولها، وإنما بما يُودع فيها من خير.
وها أنا ذا قد خرجت من مغاسل الأموات منذ ما يقارب عشرين عامًا، لكن مغاسل الأموات لم تخرج مني.
فما زالت بعض الوجوه تمر بي، وبعض المشاهد تعود إليّ كلما ذُكرت الجنائز أو رُفع النعش.
وقد علمتني تلك التجربة أن القبور لا تسأل عن المناصب، وأن النهاية واحدة مهما اختلفت البدايات.
وأن أعظم ما يتركه الإنسان ليس مالًا ولا أثرًا، بل ذكرًا حسنًا، ودعاءً صادقًا، ورضًا يسبق الرحيل.
رحم الله من مضى، وجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه، ورزقنا ذكرًا حسنًا في الأرض، ورحمة واسعة في السماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك