لا تبدو الطائرات المسيّرة مجرد تقنية عابرة، بل تحمل في ذاكرة الناس ظلالاً ثقيلة من الخوف والترقب.
فخلال الأشهر الماضية، ارتبط حضور الدرون في السودان بمشاهد القصف والاستهداف، مما جعلها في الوعي العام أقرب إلى أداة تهديد منها إلى وسيلة تنموية.
لكن في المقابل، تتوسع عالمياً استخدامات هذه التقنية في الزراعة والهندسة والخدمات اللوجستية، وحتى الإغاثة الإنسانية.
وهنا يبرز سؤال جوهري، هل تستطيع هذه التكنولوجيا أن تعيد تعريف نفسها داخل مجتمع مثقل بذاكرة الحرب، أم إن الحاجز النفسي والتحديات القانونية سيؤخران دخولها الفعلي إلى المجال المدني في السودان؟لا يزال صوت الدرون في أذهان كثير من السودانيين مرتبطاً بالخطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تقبّل استخدامها في الحياة اليومية.
المتخصص في علم النفس الاجتماعي هيثم الخالدي قال" إن المجتمعات الخارجة من النزاعات المسلحة تمر بمرحلة حساسة تُعرف بإعادة تعريف الرموز، إذ تتحول الأدوات المرتبطة بالحرب إلى عناصر مشحونة نفسياً يصعب تقبلها في السياق المدني".
وأضاف الخالدي أن" الطائرات المسيّرة في السودان لم تكن مجرد وسيلة مراقبة، بل ارتبطت في أحيان كثيرة بوقائع عنف مباشر، مما خلق استجابة شرطية لدى المواطنين تجاهها.
هذا النوع من الارتباط قد يستمر لأعوام ما لم يُعالج بوعي مؤسسي.
أما من الناحية العملية، فقد يؤدي هذا الرفض غير المعلن إلى عرقلة مشاريع مدنية تعتمد على الدرون، مثل المسح الزراعي أو خدمات التوصيل، لأن المواطنين قد ينظرون إليها بعين الشك أو الخوف".
ويرى أن" الحل لا يكمن في الترويج الإعلامي فقط، بل في إدماج المجتمعات المحلية تدريجاً في فهم استخدامات الدرون، عبر تجارب ميدانية شفافة تُظهر فائدتها المباشرة.
والفصل البصري والوظيفي بين الدرون المدني والعسكري، سواء من حيث الشكل أو الصوت أو آليات التشغيل، لأن ذلك يساعد في كسر الرابط الذهني القديم".
ولفت المتخصص في علم النفس الاجتماعي إلى أن" بناء الثقة هنا عملية تراكمية تبدأ من الاستخدامات الصغيرة الآمنة، قبل الانتقال إلى التطبيقات الأوسع".
من المؤكد أن غياب الإطار التنظيمي الواضح لهذه التقنية يجعل استخدام الدرون في السودان محفوفاً بالأخطار القانونية والأمنية.
في هذا السياق، يوضح جمال محمد المتخصص في قوانين الطيران أن" السودان، كغيره من دول كثيرة تمر بمرحلة انتقالية، يواجه تحدياً في مواكبة التطورات السريعة في تقنيات الطائرات غير المأهولة، فضلاً عن غياب لوائح دقيقة لتنظيم استخدام الدرون، مما يفتح الباب أمام فوضى تشغيلية قد تؤثر على السلامة العامة، خصوصاً في ظل تداخل الأجواء المدنية والعسكرية".
وتابع محمد أن" التجارب الدولية تُظهر أن نجاح قطاع الدرون يعتمد على وجود نظام تسجيل إلزامي، يحدد هوية كل طائرة ومشغلها، إضافة إلى تصنيف واضح بحسب الوزن والاستخدام (تجاري أو ترفيهي أو صناعي).
وضرورة تحديد مناطق حظر الطيران، لا سيما قرب المنشآت الحيوية، مع فرض عقوبات رادعة على المخالفين".
واستطرد أن" التحدي الأكبر ليس في صياغة القوانين، بل في القدرة على تطبيقها، في ظل ضعف البنية الرقابية الحالية.
لذلك لا بد من إنشاء وحدة متخصصة داخل سلطة الطيران المدني تُعنى حصرياً بالدرون، مع تدريب كوادر فنية قادرة على متابعة هذا القطاع".
وشدد المتخصص في قوانين الطيران على" أهمية إدخال نظام تأمين إلزامي لتغطية الأضرار المحتملة، لأن أي حادثة بسيطة قد تؤدي إلى فقدان الثقة المجتمعية بالكامل.
لكن في اعتقادي أن القانون هو نقطة البداية الحقيقية لأي استخدام آمن ومستدام لهذه التقنية".
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي وليد حمزة أن" السودان يمتلك بيئة مثالية للاستفادة من تقنيات الدرون، خصوصاً في القطاع الزراعي الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد.
وأن استخدام الطائرات المسيّرة في رش المبيدات والأسمدة يمكن أن يقلل التكاليف بنسبة تصل إلى 30 في المئة مقارنة بالطرق التقليدية، إضافة إلى تحسين دقة التوزيع وزيادة الإنتاجية".
ولفت حمزة إلى أن" استخدام هذا النوع من الطيران في رسم الخرائط ومراقبة الأراضي الزراعية أمر بالغ الأهمية في بلد يعاني ضعف البنية التحتية للبيانات.
كذلك يمكن للدرون أن تسهم في عمليات الاستكشاف في قطاع التعدين وتقليل الأخطار البشرية فيه، بخاصة في المناطق النائية".
وحذر من أن" هذه الفرص قد تضيع إذا لم توفر بيئة استثمارية مناسبة، تشمل تسهيلات استيراد المعدات وتدريب الكوادر المحلية وتقديم حوافز للشركات الناشئة".
وأكد أن" السوق السودانية يمكن أن تستوعب عشرات الشركات العاملة في هذا المجال خلال أعوام قليلة، إذا توفرت الثقة والتنظيم.
وإدخال الدرون في مشاريع إعادة الإعمار قد يسرّع أيضاً من وتيرة العمل ويخفض التكاليف، مما يجعلها أداة استراتيجية وليست مجرد رفاهية تقنية".
في حين، أشار الباحث في السياسات العامة بشير أحمد إلى أن" التحدي الأكبر أمام انتشار الدرون في السودان ليس تقنياً ولا اقتصادياً، بل يتعلق بالثقة.
فالمواطن الذي عاش تجربة الحرب يحتاج إلى ضمانات واضحة بأن هذه التكنولوجيا لن تُستخدم ضده مرة أخرى".
وزاد" بناء هذه الثقة يتطلب شفافية كاملة في طريقة إدارة المجال الجوي، مع نشر معلومات واضحة حول الجهات المصرح لها باستخدام الدرون، وطبيعة أنشطتها.
لذلك يجب إشراك المجتمع في عملية الرقابة، عبر آليات تتيح الإبلاغ عن أي استخدام مشبوه".
وواصل" التجارب الدولية الناجحة اعتمدت على حملات توعية طويلة الأمد، إذ لم تكتفِ بالإعلان عن الفوائد، بل شرحت أيضاً الأخطار وكيفية التحكم فيها.
وفي الحالة السودانية، قد يكون ربط الدرون بمشاريع خدمية مباشرة مثل توصيل الأدوية أو دعم المزارعين مفتاحاً لتغيير الصورة الذهنية".
وختم الباحث في السياسات العامة بالقول إن" الدولة إذا نجحت في تقديم نموذج استخدام منضبط وآمن، فإن المجتمع سيتحول تدريجاً من الرفض إلى القبول، وربما إلى التبني الكامل، خصوصاً بين الأجيال الشابة الأكثر انفتاحاً على التكنولوجيا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك