تسيطر أجواء المراثي على الديوان الأحدث للشاعر المصري جمال القصاص" تجرحني بخفة وتعلو" (دار بتانة)، وهي تتسرب إلى القارئ من" المقدمة" وعلى أكثر من 300 صفحة من القطع الصغير.
يقدم القصاص في البداية ما يشبه" كشف حساب"؛ متسائلاً عما منحه الشعر وما منح هو للشعر.
ويكشف عن تفضيلاته الجمالية: " أحب الاختزال، الضربات السريعة، أحب أن أجري ببطء، أرى الحياة في دفقها المرتجل، في نشوة يفجرها الصوتُ بقوة لا تُرى".
ويختتم" حواره مع الشعر"، بنداء يفسر طبيعة علاقته به: " أيها الشعر حررني من نفسي، أطلقني في قيودك السحرية، دعني أجلس فوق ركبتك كصرخة جمال ولدت للتو".
مقدمة تهيئ القارئ لدخول أجواء المجموعة المشبعة بأسئلة حول الموت والغياب واستدعاء الماضي، والتناص مع نصوص شعرية تلوح فيها النهايات، ومنها" الجنوبي" لأمل دنقل، و" جدراية" لمحمود درويش.
في أول نصوص الديوان؛ " كن لصَّ نفسك"، تلوح ظلال دنقلية: " أسأل هل أنا الطفل الذي كنته".
عبارة تستدعي مباشرة سؤال دنقل في" الجنوبي": " هل أنا كنتُ طفلاً، أم أن الذي كان طفلاً سواي؟ ".
تتشابه العبارتان في البنية وفي الإحساس الحاد بتسرب الزمن وتفلته من قبضة الإنسان.
ويعود القصاص إلى استدعاء الطفولة مرة أخرى في قوله: " يوم كنا أطفالاً نرسم حضن الأم، نتخيله سلطتنا الأبدية"، معبراً عن واحدة من أكثر سمات" تجرحني بخفة وتعلو" وتتمثل في استدعاء الذكريات على نحو يفوق الانشغال بالمستقبل.
وهو ما يتسق مع الأجواء العامة للديوان التي تهيمن عليها هواجس الأفول واقتراب النهاية.
يتجلى هذا الإحساس كذلك في الحضور الكثيف للمرض فنقرأ: " غرفة العناية الضيقة"، و" المشفى غريب يستقبل غرباء"، و" لعبتي شاخت"، كما يقول في موضع آخر: " المشفى يغير ملاءات غربته".
تجربة المرض تجعل الشاعر يعيد تأمل ذاته ومراجعة علاقته بالحياة، بخاصة في قصيدة" كل هذه الأحلام تحت إبطك": " في المرض، تكون قريباً من نفسك، تتخيلها سماء واطئة، سوف يصطدم بها رأسك".
ويقول في النص ذاته: " أنتِ مريضة وأنا مريض، علينا أن نبحث عن حيل أخرى للحياة"، في محاولة لترويض المرض والتعايش معه بحثاً عن أسباب جديدة للاستمرار في الحياة، على رغم خيانة الجسد وإشاراته المتتالية إلى اقتراب الغياب.
تتردد في الديوان أصداء التجربة الدرويشية في" جدارية"، بخاصة في طريقة التعامل مع الموت كرفيق يومي يمكن محاورته والسخرية منه أحياناً.
وفي أحيان أخرى الحديث إليه بحميمية مع استدعاء تفاصيل الحياة الصغيرة.
ففي قصيدة" أعذار واهية للحفرة" يقول القصاص: " سأرحل، معي هلاهيلي، الكنكة، المصفاة، الكاسيت المنزوع الكتفين، إطار فارغ يبحث عن صورة لأمي".
ويتجلى هذا الحضور الدوريشي بصورة أوضح في قصيدة" كل هذه الأحلام تحت إبطك"، حين يخاطب القصاص الموت بلغة الصديق" أيها الموت، يا صديقي الطيب، هل تعرف كم الوقت الآن؟ هل لديك قنينة عطر أو خمر؟
تأخرنا على الأوبرا، هيا بدّل ثيابك، سأنتظرك، لا تنس ربطة العنق، ثمة أرواح موسيقية عاشقة ستطير بك بخفة في تجاعيد اللحن".
هذا يحيلنا إلى خطاب درويش للموت في الجدارية في أكثر من مقطع من بينها: " أيها الموت انتظر! حتى أُعدَّ/ حقيبتي: فرشاةَ أسناني، وصابوني وماكنة الحلاقةِ، والكولونيا، والثيابَ.
هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ؟ وهل تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء، أم تبقى كما هِي في الخريف وفي الشتاء؟ وهل كتابٌ واحدٌ يكفي لِتَسْلِيَتي مع اللا وقتِ، أم أحتاجُ مكتبة؟ وما لُغَةُ الحديث هناك، دارجة لكُلِّ الناس أم عربيةٌ فُصْحى".
ولا يقتصر التناص في الديوان على المرجعيات الشعرية الحديثة، فيمتد إلى الموروث الإنساني القديم، وتحديداً النصوص الجنائزية المصرية المعروفة اصطلاحاً بـ" كتاب الموتى".
تحضر جملة" هيا انهض" في أكثر من نص.
فقصيدة" في توثيق المحبة" تستدعي أجواء نصوص البعث والقيامة في المعتقد المصري القديم، ولا سيما الصيغة الشهيرة: " انهض، فلن تفنى، لقد نوديت باسمك، لقد بُعثت".
ما يتوافق مع الرؤية العامة للديوان التي تتراوح بين الإحساس بالفناء والرغبة في مقاومته عبر الذاكرة والحب خاصة، وأن الجانب الرومانسي هو أيضاً من أكثر العناصر حضوراً في الديوان لمواجهة الموت.
يشكل معجم النهاية والرحيل أحد الخيوط الأساسية التي تنظم قصائد الديوان، فيطل الموت من كل النصوص.
ففي قصيدة" كن لص نفسك" يقول: " يا طفلتي المدللة، رفقاً بهذه السن المضطربة، أنا على وشك الرحيل، لا أعرف بالضبط إلى أين أذهب، حاولت قدر ما أستطيع أن أكون عصرياً، ولو بسطرين من الشعر".
ويمتد هذا الوعي في النهاية إلى تفاصيل الحياة اليومية.
فلا يقتصر حضور الموت على الموت البشري ولكن يمتد إلى الجمادات، فيمنح القصاص الأشياء المحببة إليه طقوس وداع ودفن خاصة بها.
ففي أحد النصوص يخاطب طبقاً ارتبط بذكرياته" اطمئن يا صديق العِشرة، حُفرتك طيبة وأليفة، بهدوء ستنام في الحديقة، ستكون صديقاً للعشب والعصافير".
والمفارقة أن هذه الصورة ليست محض استعارة شعرية، إذ روى القصاص خلال ندوة لمناقشة الديوان في" منتدى الشعر المصري"، أنه حين انكسر ذلك الطبق الذي اعتاد استخدامه قام بالفعل بدفنه في حديقة منزله تحت شجرة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)تعود تيمة الرحيل بقوة في قوله: " سأذهب، لديَّ مقبرة، هذا كل ما أملك، جميل أن أضع رأسي فوق ركبة الأبدية وأغفو، أغمض عيني إلى الأبد، سيقولون: رحل شاعر".
يتكرر هذا المنحى في قصيدة" أعذار واهية للحفرة"، فيقول: " صدر الديوان، مات الشاعر، أنا كنت أعرفه، ضلوعه كانت نبعاً للورد، برائحته يكتب رسائله، يطيرها للبحر، للعشاق، للسكارى".
ونلاحظ أن القصاص يفصل بين الشاعر وذاته عبر الكتابة عن نفسه بضمير الغائب، كما لو كان يتأمل سيرته من خارجها، في تقنية شعرية تمنح نصوصه مسافة تأملية وتضاعف من أثر المرثية الذاتية.
ويواصل تخيل مشهد النهاية: " أرجوكِ اذكريه بسلام، في الخامس من ديسمبر، ضعي وردة على قبره، سوف تتفتح مثل قبلة وأكثر، توقظ الموتى من ليلهم العميق".
فالخامس من ديسمبر هو تاريخ ميلاده الفعلي.
ويحضر الخريف في الديوان رمزاً للنهاية التي تقترب، ففي قصيدة" في توثيق المحبة" يقول الشاعر: " كنت تعرف كيف تسقط الورقة، تنفض رقصتها الأخيرة، في كف الخريف وتمضي".
ومن هذا المنطلق تتكرر في الديوان مفردات الوداع وانفراط الزمن وتآكله، عبر عبارات مثل" مراسم الوداع"، و" الحياة لعبة صغيرة يوماً سنملها"، و" الوقت ثمرة لم تنضج في الفم".
عبارات تكشف عن وعي بسرعة انقضاء العمر.
يرثي القصاص ذاته: " كنتُ أودعني منذ دقائق، حاولتُ أن أرتجل النهاية، بلا مشيعين، بلا قبلات، بلا دموع، كانت رعشة شفتي أكبر من فراغ المشهد، ويدي لا أعرف كيف جرَّتني لأسمع الماضي يتلألأ".
يتخيل موته ومعه لحظة وداعه لنفسه، وتتجسد هذه النبرة في قوله: " لا راية لي سوى بهاء احتضاري".
ويعود إلى الفكرة نفسها في قوله: " سأرحل.
كل شيء يجرحني بخفة ويعلو، كأني محض رغبة، محض شبح، يرتجل النهار والليل، حين يتعب، يضعهما في الصندوق".
يتتابع حضور المقبرة: " سأزور مقبرتي قبل الغروب لأطمئن على أن مرثيتي لم يلوثها الغبار أو يخطفها غراب أبله".
ويبلغ هذا المسار ذروته في خاتمة الديوان التي تأتي أقرب إلى بيان جنائزي ساخر، يكتب فيه الشاعر خبر رحيله بنفسه: " أخيراً، تمت السيطرة على جمال القصاص، بهدوء لملم أعضاءه، ودَّع الحافة وهو يقهقه، اطمئنوا.
لا حرائق في البيت، لا دخان، الساعة نتفت شاربها، طبقان انتحرا في الحوض، قميصه الأخضر يتسكع في شرفة الجيران".
نهاية تجمع بين روح العبث والفكاهة السوداء ورثاء الذات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك