قبل بداية حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، كانت الاقتصادات الأوروبية تهيئ نفسها لحالة من الانتعاش، فالبنوك المركزية كانت قد بدأت في خفض أسعار الفائدة، والتضخم بدأ يتراجع ولو رويداً، والنمو بدأ بشكل طفيف يتحول من السلبي إلى الإيجابي.
لكن منذ الحرب وما تبعها من أزمة طاقة قلبت الاقتصادات الأوروبية رأساً على عقب، أظهرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي في منطقة العملة الموحدة التي تضم 21 دولة، أن الاقتصاد تراجع بنسبة 0.
2% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، وفقاً لوكالة إحصاءات الاتحاد الأوروبي" يوروستات" يوم الجمعة، وهو أسوأ من تقدير سابق كان يشير إلى نمو بنسبة 0.
1% للفترة ذاتها في منتصف مايو/ أيار الماضي.
ويمثل ذلك أول انكماش ربع سنوي منذ الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2022، حين قفزت أسعار الطاقة بعد الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا.
ورغم أن معظم دول منطقة اليورو سجلت نمواً في بداية هذا العام، فإن الزخم الاقتصادي تراجع في الأشهر اللاحقة نتيجة الحرب.
ومن المتوقع أن يُضمّن البنك المركزي الأوروبي في توقعاته الجديدة الأسبوع المقبل احتمال حدوث انكماش أيضاً في نشاط الربع الثاني.
الفارق بين التوقعات هو ما يربك صناع القرار الأوروبيين في الوقت الراهن، فالعواصم الأوروبية توقعت بالفعل حدوث تداعيات لحرب إيران، لكنها توقعت أن تكون قصيرة الأجل، وما يحدث الآن هو بروز شبح تفاقم الأزمة لفترة أطول مع ارتفاع التضخم وتراجع النمو وبحث المركزي الأوروبي في خيارات قد يكون أحلاها مر للأعمال والصناعات.
فرفع سعر الفائدة الأساسي لكبح التضخم، سيؤدي إلى تقييد النمو في وقت يبدو فيه ضعيفاً بالفعل وفق البيانات الرسمية.
ويشير تقرير لصحيفة نيويورك تايمز نشرته، اليوم الاثنين، إلى المعضلة الأوروبية التي تخرج من أزمة لتقع في أخرى، فأوروبا كانت بالكاد قد أوشكت على التعافي من آثار أزمة الطاقة الناجمة عن حرب أوكرانيا، فوجدت نفسها في مرمى أزمة جديدة، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى سحب الأموال من الميزانيات العامة، وتقليص الاستثمارات في الاستخدامات الأكثر إنتاجية، بينما يصبح المستهلكون أكثر قلقاً بشأن الإنفاق.
وكان الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 قد تسبب في قطع مصدر حيوي للغاز الطبيعي الروسي عن القارة، وقفز التضخم إلى خانة العشرات.
واستجاب صناع السياسات برفع أسعار الفائدة بشكل حاد لكبح التضخم، لكن ذلك أدى أيضاً إلى كبح الاقتصاد بشكل واضح.
أما القلق اليوم، حسب الصحيفة، فيتمثل في صدمة اقتصادية أكثر هدوءاً لكنها لا تزال سلبية: تضخم أعلى وأسعار فائدة مرتفعة بشكل ملحوظ حتى العام المقبل على الأقل.
وقال مارِيانو سينا، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في بنك باركليز: " إن الصدمة قصيرة الأمد يجري تمديدها زمنياً".
وأضاف أن استمرار تعطّل إمدادات الطاقة من منطقة الخليج الفارسي لفترة أطول يعني آثاراً اقتصادية أسوأ.
وتشير الصحيفة إلى أنه في بداية الأزمة، حين شنّت القوات الأميركية والإسرائيلية الحرب على إيران وردّت إيران بإغلاق مضيق هرمز، كان التوقع هو حدوث تأثير على شكل حرف V، أي تراجع حاد وقصير في النمو يتبعه تعافٍ قوي، لكن التوقعات الآن أصبحت على شكل حرف U، حيث يظل الاقتصاد ضعيفاً لفترة أطول ويتأخر التعافي.
قبل الحرب، كانت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، قد أعلنت أن أسعار الفائدة والتضخم عند 2% في" وضع جيد".
ولم يكن المستثمرون يتوقعون أي تغييرات في أسعار الفائدة خلال العام، لكن الآن يتوقع المتداولون أن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة هذا الأسبوع بمقدار ربع نقطة مئوية، ومرة أخرى لاحقاً هذا العام.
وتشير الأسواق إلى أن أسعار الفائدة ستكون أعلى بنحو ثلاثة أرباع نقطة مئوية بحلول الربيع المقبل مقارنة بمستواها الحالي.
ويؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز، إلى ارتفاع سريع في التضخم.
فقد بلغ متوسط التضخم في 21 دولة تستخدم اليورو 3.
2% في مايو/أيار، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر/أيلول 2023، مقارنة بـ1.
9% في فبراير/شباط قبل الحرب، أي دون هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%.
وقالت المفوضية الأوروبية إن" تأثير صدمة الطاقة سيستمر حتى عام 2027"، متوقعة أن يعود النمو في العام المقبل إلى 1.
4% فقط، وأن يبقى التضخم عند 2.
4%.
وحتى إذا بلغت أسعار الطاقة ذروتها هذا الربع، فإن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع أن يظل التضخم في منطقة اليورو أعلى من 2% لمعظم العام المقبل.
ورغم الاضطرابات في الإمدادات، لم تشهد أوروبا حتى الآن نقصاً في السلع، بما في ذلك وقود الطائرات، لكنها تدفع أسعاراً أعلى بكثير.
ومنذ نهاية فبراير/شباط، أنفق الاتحاد الأوروبي 42 مليار يورو إضافية على الطاقة، نصفها تقريباً على الغاز الطبيعي وحده.
ونتيجة لارتفاع تكلفة الأسمدة، أعلنت السلطات خطة على مستوى القارة لدعم المزارعين.
ومع تزايد التكاليف، خففت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، من قواعد الميزانية الصارمة ومنحت الحكومات مرونة أكبر للإنفاق على إجراءات" تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد".
ومع ذلك، سيكون التباطؤ الاقتصادي صعباً على الحكومات، إذ وصلت مؤشرات ثقة المستهلك إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022 وقد تنخفض أكثر، لأن التضخم بدأ يتجاوز نمو الأجور، مما يضغط على ميزانيات الأسر.
وتشير الأبحاث إلى أن المستهلكين، بعد تعرّضهم لصدمة أسعار ثانية خلال خمس سنوات، أصبحوا أكثر حساسية وخوفاً من حالة" الركود التضخمي"، أي مزيج مؤلم من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو.
وجزء من المشكلة أن إعادة فتح مضيق هرمز لن تؤدي بالضرورة إلى انخفاض سريع في الأسعار، إذ ستظل الإمدادات محدودة بسبب الوقت اللازم لاستئناف الإنتاج، وبعض الفاقد من الإنتاج سيستغرق وقتاً طويلاً لتعويضه.
وهذا سيبقي الأسعار مرتفعة، خاصة مع سعي العديد من الدول إلى بناء احتياطيات.
ويتوقع المتداولون أن تنخفض أسعار النفط والغاز بشكل محدود فقط خلال العام المقبل، إذ يجري تداول عقود خام برنت عند نحو 90 دولاراً للبرميل بنهاية هذا العام، و80 دولاراً بنهاية العام المقبل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل الحرب.
كما تسير أسعار الغاز الطبيعي في مسار مشابه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك