إذا ما تصفّحنا منجزات الأغنية القطرية منذ سبعينيات القرن الماضي، لا بد أن يستوقفنا اسم كاتب الأغاني والملحّن خليفة جمعان السويدي (1953 - 2026)، الذي رحل الأسبوع الماضي.
ولد السويدي في الدوحة عام 1953، ونشأ في بيئة فنية شعبية؛ إذ كان والده عضواً بإحدى الفرق الشعبية ويصطحبه إلى الجلسات الطربية، ما ساهم في تشكيل وعيه الموسيقي وحفظه للأغاني.
برزت موهبته خلال مرحلته الدراسية في السبعينيات، وتحديداً عبر الإذاعة المدرسية؛ إذ رعى أستاذه عبد الحميد الداير صوته، واستثمر تفوقه في اللغة العربية لتقديمه في الأنشطة الصباحية.
أما محطته الاحترافية الأولى في الكتابة، فكانت بفضل الفنان سالم مبارك التركي، الذي شجّعه على تقديم محاولاته الشعرية إلى إذاعة قطر في بداية تأسيسها، وحظي نَصّان له بالموافقة، لتشكّل هذه الخطوة انطلاقته الرسمية عام 1975، ويصبح لاحقاً عضواً في فرقة مسرح الأضواء.
توسّعت مسيرته الإبداعية لتشمل رصيداً ضخماً يتجاوز 400 أغنية موزعة بين التأليف والتلحين، تنوّعت بين الأعمال العاطفية، والوطنية، والإنسانية.
في شق التأليف الغنائي، وضع كلماته لما يقارب 250 إلى 300 أغنية، في حين تولى تلحين نحو 70 إلى 85 عملاً.
تعاون السويدي مع غالبية الفنانين القطريين ومطربين خليجيين وعرب، مقدماً أعمالاً تركت بصمة واضحة.
ومن أبرز نتاجاته في التأليف أغنية" غربي هواكم يا هل الدوحة" التي أدتها فاطمة شداد، وأغنية" والله ماني يالغظي مرتاح" بصوت محمد الساعي، إضافة إلى أغنية" حسايف" للفنان صقر صالح، و" اذكر زمان الحب" لعبد الرحمن الماس، و" عسى مبارك عليك يا دار" لجمال محمد.
كما تعاون مع الفنان علي عبد الكريم في أغنية" لولو غالي"، والفنانة عتاب في أغنية" أسمر وعيونه وسيعة".
في الرصيد الوطني، وثق التلفزيون أول أغنياته المصورة عام 1975 بعنوان" اسمك عزيز ومنزله عالي"، تلتها أعمال مثل" ما يهمك يا وطن"، و" دامت قطر"، و" وطني الغالي".
وإلى جانب الأغنية المفردة، برزت إسهاماته في الدراما التلفزيونية والتوثيق الموسيقي.
ويمثّل المسلسل القطري" الأقدار"، الذي أُنتج في مطلع الثمانينيات، بطولة الفنانة حياة الفهد، من الأعمال المحورية في مسيرته، إذ صاغ مقدمته ومجموعة مواويل في حلقاته، ومنها موال" أقدار"، وموال" مالك أمان يا بحر"، وموال" ودعت معاكم عزيز"، وهي أعمال لحنها الموسيقار الراحل حسن علي، وأداها الفنان علي عبد الستار، مرافقة لقصص الغوص والصيد ومعاناة أهل البحر.
وتوازى هذا الإنتاج مع شغله منصب مسؤول النصوص الغنائية في إذاعة قطر، وعمله باحثاً في التراث والموروث الشعبي الخليجي، إذ ركّز جهوده على توثيق وأرشفة مسيرة الأغنية الشعبية، وفن الصوت، والفنون البحرية والبدوية، فضلاً عن مشاركته في حلقات توثيقية لرواد الموسيقى في الخليج العربي.
وفي قطاع المسرح، كان السويدي عنصراً فاعلاً في كتابة وتلحين الأغاني والمقدمات الموسيقية للمسرحيات الكوميدية ومسرح الأطفال.
ويشمل منجزه المسرحي مشاركته في عروض عديدة، صاغ ألحانها أو كلماتها، ومن أبرزها" اللوحات الثلاث"، و" نادي العزوبية"، و" حلم علي بابا"، و" خال الكلفس"، و" الأقزام والشرير"، و" الاختراع العجيب"، و" شجرة اللؤلؤ".
وامتدت إسهاماته لتشمل مسرحيات" المسعور"، و" اللظى"، و" مدينة الحكايات"، و" فله وعروس البحر"، و" أميرة الذئاب"، و" وادي المجادير"، وعرض" هالشكل يا زعفران".
هذه الإنتاجات قادته إلى نيل تكريم في مهرجان الأغنية الشبابية في أبوظبي.
استثمر السويدي موهبته في دعم برامج التوعية التي تخدم المجتمع، بالتعاون مع الجهات الحكومية؛ فقدم أعمالاً تدعم التوعية المرورية والبيئية، وصاغ إنتاجات لجمعيات المكفوفين ورعاية المسنين، إضافة إلى رعاية مؤسسة دريمة للأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.
وواظب على تلبية الدعوات الثقافية عبر مشاركته في الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية داخل الدولة وخارجها، ليظل اسمه بمثابة مصدر أساسي لتوثيق مسيرة الأغنية المحلية بفنونها المختلفة على مدى أربعة عقود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك