يُمثل الفضاء الرقمي في اللحظة الراهنة الساحة الرئيسية، وربما الساحة الوحيدة في كثير من الأحيان، التي يمارس من خلالها الشباب وعيهم السياسي وتفاعلاتهم المجتمعية.
ومع البدايات الأولى لثورة الاتصالات، سادت حالة من التفاؤل تبشر بأن منصات التواصل الاجتماعي ستخلق" مجالاً عاماً" أكثر تنوعاً، تتساوى فيه الفرص وتتعدد فيه الأصوات.
لكن الممارسة الفعلية، والتدقيق في تركيبة هذه التقنيات، يكشفان عن واقع اجتماعي مختلف تماماً؛ حيث تحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتواصل المفتوح إلى آلة ضخمة لـ" هندسة الإدراك" وتقويض الحوار العقلاني.
تعمل خوارزميات المنصات الكبرى وفق منطق تجاري بحت لا يعترف بقيم الحوار أو الاختلاف، وهو مبدأ" الاستحواذ على الانتباه".
ولتحقيق هذا الهدف، تعتمد هذه البرمجيات الخفية على عزل المستخدم في بيئة معلوماتية مغلقة تُعرف بـ" غرف الصدى" أو" فقاعات العزل".
تقوم هذه الآليات بفرز المحتوى بدقة صارمة؛ فلا تعرض للشاب إلا الآراء التي تتطابق مع قناعاته المسبقة، وتحجب عنه ببراعة ممنهجة أي أفكار مخالفة أو رؤى نقدية يطرحها الطرف الآخر.
بمرور الوقت، وبفعل هذا الإغراق المعلوماتي الموجه، يقع المستخدم في فخ الوهم؛ فيعتقد أن العالم بأسره يتبنى وجهة نظره، وتتحول قناعاته السياسية أو الفكرية إلى ثوابت لا تقبل المساءلة أو النقاش.
هذا العزل الممنهج ليس مجرد خلل فني في التطبيقات، بل هو المصنع الحقيقي لإنتاج" الاستقطاب الحاد" والتطرف الفكري في مجتمعاتنا.
فمن خلاله يتم اغتيال ثقافة الاختلاف، ويتحول المخالف في الرأي من" شريك في الوطن" إلى" خطر" يجب إقصاؤه.
من منظور علم الاجتماع السياسي، تُمثل هذه الظاهرة خطراً مباشراً على جوهر مفهوم" المواطنة" وفكرة" الحوار الوطني".
فنجاح أي مشروع مجتمعي أو حوار سياسي يتطلب بالضرورة وجود مساحات مشتركة يتفاوض فيها الفرقاء، وتتلاقى فيها الأفكار، وتُبنى فيها التوافقات.
أما ما تفعله هذه المنصات فهو تمزيق النسيج المجتمعي إلى مجموعات رقمية متناحرة، كل مجموعة تتقوقع داخل فقاعتها، تتحدث إلى نفسها فقط، وتستهلك أفكارها الخاصة التي تزيد من حالة الانغلاق الفكري.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الكيانات السياسية الفاعلة والنخب الشابة اليوم، لا يقتصر على مجرد حث الشباب على المشاركة السياسية بمفهومها التقليدي، بل يمتد إلى ضرورة صياغة برامج وطنية جادة للتمكين والتوعية.
نحن بحاجة ماسة لتبني استراتيجيات تعزز" الوعي النقدي"؛ بحيث يتحول الشباب من مستهلكين بسلبية لرسائل موجهة، إلى فاعلين يمتلكون أدوات التفكير الحر القادر على تفكيك هذه الحواجز الافتراضية والتمرد عليها.
إن بناء مجتمع حديث، متماسك، وقادر على استيعاب تنوعه في عصر الذكاء الاصطناعي، يتطلب تدخلاً واعياً لاستعادة لغة الحوار من قبضة الشركات التقنية.
فالعقل الجمعي للشباب وقدرتهم على إدارة اختلافاتهم بحكمة، لا يمكن أن يُتركا رهينة لمعادلات حسابية لا تكترث سوى بزيادة الأرباح على حساب تماسكنا الوطني وقدرتنا على العيش المشترك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك