دمشق- “القدس العربي”: أعاد “مؤتمر الحوار الوطني الأول للقطاع الخاص” الذي استضافته دمشق الأسبوع الماضي، فتح موضوع الشركات والمؤسسات المؤممة في سوريا، على اعتبار أن عمليات التأميم جرت في عهد الوحدة مع مصر بمراسيم من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أو بعد انقلاب البعثيين واستلامهم السلطة وبمراسيم من الرئيس الراحل أمين الحافظ.
ولم يكن مصير الشركات المؤممة مطروحاً على جدول نقاشات المؤتمر الذي تم برعاية يابانية وأممية، كما لم يتم لحظه في بيانه الختامي، لكن نشاط لجنة المتضررين من التأمين وتوزيع بيان لهم على المشاركين هو ما أعاد الملف إلى الواجهة.
وشدد رئيس “لجنة متضرري التأميم في سوريا”، عمر الحبال، على أنه وزملاءه من ورثة أصحاب الشركات المؤممة منذ ستينيات القرن الماضي، إن في عهد الوحدة مع مصر أو في بدايات حقبة حزب البعث، لن يتنازلوا عن حقوقهم الدستورية والقانونية والشرعية، التي تتجاوز قيمتها مئات المليارات، موضحاً أن عدم موافقة الحكومة السورية على فتح النقاش حول هذا الملف حتى الآن، لن يثنيهم عن مواصلة جهودهم لاستعادة أملاكهم.
ورثة أصحاب الشركات المؤممة منذ ستينيات القرن الماضي، لن يتنازلوا عن حقوقهم الدستورية والقانونية والشرعيةوفي تصريح خاص لـ”القدس العربي”، قال إن وزارة الاقتصاد والصناعة اعتبرت منشآتنا المؤممة بمثابة غنيمة ويطرحونها للاستثمار بنظام “بي.
أو.
تي”، مع أن من بقي صالحاً للاستثمار منها لا يتجاوز نسبة 3%، والباقي إما مدمرة أو تم تغيير صفة استعمالها، ولم تتبق مصانع يمكن استثمارها، ومع ذلك هم يطرحونها كأراض قابلة للاستثمار.
ونظام الاستثمار “بي أو تي” نموذج للشراكة بين القطاعين العام والخاص، يقوم بموجبه المستثمر بتمويل وبناء مشروع معين أو إعادة تأهيله، ثم تشغيله وإدارته لفترة زمنية محددة قد تصل إلى 50 عاماً لاسترداد التكاليف وتحقيق الأرباح، قبل نقل ملكية المشروع وأصوله بالكامل إلى الدولة.
وبين الحبال أننا نتحدث هنا عن 154 شركة ومؤسسة جرى تأميمها في أعوام 1962 و 1964 و 1965 في دمشق (63 شركة) وحلب (58 شركة) وحماة (20 شركة) وحمص (9 شركات) واللاذقية (4 شركات)، وهي لمختلف الصناعات من الإسمنت ومواد البناء، والمحالج، والصناعات النسيجية، والألبسة، والسجاد، والمواد الغذائية، والمنظفات، والزجاج، والأخشاب، والكابلات، والزيوت، والبرادات، وغيرها.
حاول حبال، حسب قوله، منذ آب/أغسطس، الاجتماع مع وزير الاقتصاد والصناعة عبر طلب رسمي “لكننا لم نحصل على أي رد، وحتى إن المؤتمر الأخير للحوار مع القطاع الخاص دخلنا إليه من غير دعوة ويمكن القول عبر التسلل، وتعرضنا للتضييق على نشاطنا، فهم لم يرغبوا بطرح موضوعنا للنقاش”.
حاول حبال، حسب قوله، منذ آب/أغسطس، الاجتماع مع وزير الاقتصاد والصناعة عبر طلب رسمي لكنه لم يحصل على أي ردوبين أن لجنته ليست بجديدة، وإنما مشكلة منذ عام 2005، ورغم كل الجهود التي بذلناها منذ تلك الفترة لم نجد أي آذان مصغية، سواء من حكومة النظام الساقط، أو الحكومة الجديدة حالياً، موضحاً أن النظام السابق لم يتجاوب مع مطالبنا، بل على العكس شن حملة ضدنا، ليس فقط عبر إعلامه، وإنما حتى عبر صحف أحزاب الجبهة الوطنية تحت عنوان “مشبوهين يطالبون بالعودة عن التأميم”.
وأوضح أن الوضع لم يتغير كثيراً، ولم نحصل على أي وعود بالجلوس مع ممثلين عن الحكومة الجديدة لبحث ملفنا بشكل جدي، وقد قابلت وزير المالية محمد يسر برنية في شباط/ فبراير الماضي، وسمعت وعوداً لعقد جلسات مناقشة هادئة، لكن يبدو أن جهات أخرى في الحكومة طالبت بالتريث.
وأردف: “طالبنا وزارة الاقتصاد والصناعة بتكليف مركز الأبحاث في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، لتنظيم حلقات نقاش يشارك فيها ممثلون عنا، وعن وزارة الاقتصاد والصناعة والباحثين الأكاديميين، لدراسة أبعاد الملف كله من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية بهدف الخروج بتوصيات وحلول، لكن الحكومة لم توافق بعد على هذا الطرح.
كبار العائلات السورية طال التأميم منشآتها، هربت خارج البلاد، وواصلت نشاطاتها وازدهرت أعمالها، حسبما يقول الحبال.
كبار العائلات السورية طال التأميم منشآتها، هربت خارج البلاد، وواصلت نشاطاتها وازدهرت أعمالهاوذكر بأن من بين هؤلاء -على سبيل المثال لا الحصر- أبناء تاجر النسيج الحمصي الراحل محمد شاكر شمسي باشا، وهم من برعوا في تجارة النسيج وتصدير الأجواخ، وامتلكوا في بريطانيا شركة مختصة بإنتاج أفضل الأقمشة، وأيضاً عائلة شبارق الحلبية التي فتحت واحدة من أهم مصانع الغزل والنسيج في مصر، وشركة الحاج أحمد ططري وأولاده في حلب، المشهورة بصناعة النسيج والسجاد والذين نقلوا أعمالهم إلى كندا والمغرب، وكذلك شركات رودولف سعادة الجد، الذي تعرضت أملاكه للتأميم في اللاذقية، فهرب إلى بيروت وأسس هناك شركة للنقل البحري، ولاحقاً حصل على الجنسية الفرنسية ونمت شركته “سي إم إيه – سي جي إم” لتصبح ثالث أكبر شركة في العالم لشحن الحاويات والنقل البحري والخدمات اللوجستية، ثم عادت واستثمرت ميناء اللاذقية، سواء قبل سقوط النظام أو حتى حالياً، حيث تم تجديد عقده بشروط جديدة، وأكد حبال أن الجميع يطالب باسترجاع حقوقه لبناء الثقة المعدومة حالياً قبل العودة للاستثمار في سوريا.
وذكر الحبال بأن واحدة من العروض التي يتم طرحها حالياً علينا هو دخولنا للمنافسة على العروض المطروحة ضمن نظام الـ”بي أو تي”، وأن نؤجل مطالبنا باسترجاعها إلى ما بعد التوقيع على هذه العقود، ولكننا نرفض هذا الطرح الذي، إن وافقنا عليه، فإننا نعطيهم المشر لعر مصانعنا الأخرى المؤممة على غيرنا أيضاً.
وأضاف: “هذه المصانع هي من حقوقنا ولن نشارك في عقود الـ”بي أو تي” حتى وإن كانت بسنت أمريكي واحد”.
النوري، أكد على ضرورة إعادة المصانع المؤممة لأصحابها وورثتهم، مشدداً على أن ذلك “حق شرعي”وأكد أن المطالب لا تقف عند استعادة العقارات، وإنما نريد استعادة رخص المنشآت الصناعية، وإن كانت المواقع القديمة لهذه المنشآت لم تعد صالحة بعد التوسع في مساحات المدن، فإنه يمكننا، وبناء على رخصنا، أخذ أراض في مناطق أخرى وتشييد مصانعنا الجديدة عليها، لكنه وللأسف لا يريدون أن يفتحوا الحوار معنا.
وبين الحبال أن أصحاب المنشآت المؤممة لا يريدون استعادة أملاكهم بالدعاوى القضائية، وهناك محاولات لجرنا إليها ونحن نرفض، لأنها بداية هي عملية مكلفة جداً، كما أنها قد تستغرق سنوات طويلة، ونقول إن الحل يكمن في حل جماعي وليس فردي عبر إصدار مرسوم رئاسي يعكس مرسوم استملاكها، ومن ثم يمكن لورثة أصحاب كل منشأة أن يتابع قضيته إن عبر القضاء أو غيره، وحتى إن كانت هناك خلافات بالإرث بينهم.
رجل الأعمال السوري المقيم في الولايات المتحدة، بشار النوري، أكد خلال تصريحه لـ”القدس العربي”، على ضرورة إعادة المصانع المؤممة لأصحابها وورثتهم، مشدداً على أن ذلك “حق شرعي”.
وقال إن كان الملف معقداً وصعباً، لكن يجب بداية جرد هذه المنشآت وما تبقى منها، وتقييمها ودراسة ما قد تشكله من ضرر على الدولة في حال إعادتها لأصحابها، ثم يتم العمل لإرضاء الرأي العام والترويج لهذا العمل لدرجة إشعار المواطن بصحة ما يتم إنجازه.
الحقوقي والخبير القانوني عارف الشعال، أوضح في تصريحه لـ”القدس العربي” أن إعادة الأملاك التي تم الاستيلاء عليها بحجة التأميم يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار بالتأكيد، وقد قال لي وزير المالية برنية أن معالجة مثل هذه الملفات هي في إطار اهتمامه لرد المظالم.
وأكد أن موضوع إعادة الشركات المؤممة لأصحابها معقد بشكل كبير، والأمر يحتاج إلى ورشات عمل متخصصة تنتهي بوضع آليات تعويض مادي أو مالي، وهذا الملف ليس مطروحاً في أروقة الحكومة، وما هو مطروح اليوم هو العمل على إعادة تشغيل معامل القطاع العام المدمرة أو ما بقي منها، عبر التشاركية مع القطاع الخاص، وربما لن يتم طرح ملف الشركات المؤممة ولا في سنوات.
الشعال: موضوع إعادة الشركات المؤممة لأصحابها معقد بشكل كبير، والأمر يحتاج إلى ورشات عمل متخصصة تنتهي بوضع آليات تعويض مادي أو ماليوتابع: “هناك تحرك رسمي لتفعيل منشآت القطاع العام عبر التشاركية لإخراجها من حالة الخسارة، أما رد المظالم فلا أحد يفكر به، ومع احترامنا لسياسات وزير المالية، لكن اتخاذ قرار في هذا الملف ليس موضوعاً يتعلق به وحده، وإنما يرتبط بسياسة وتوجهات الدولة عموماً”.
وبين أنه وحتى لو تحرك أحد الورثة برفع دعوى قضائية على الحكومة لاسترداد أملاكه المؤممة فإن القضاء سيقوم بردها ويرفض النظر بها، كما هو الحال اليوم برد دعوى رفعها أحد الزملاء على وزارة الكهرباء.
وقال إن القضاء اليوم يهرب من مثل هذه المواجهات، وهو لم يصل بعد لتحمل مثل هذه القضايا الكبيرة، ولن تقدم الحكومة على فتح مثل هذه الملفات في المدى المنظور، وهي مؤجلة إلى ما بعد إقرار القوانين المعروضة على مجلس الشعب القادم.
وأردف: “هناك ربما نحو 900 مشروع قانون، يجب أن يعرض على مجلس الشعب، وهذه تحتاج إلى لسنوات طويلة لإصدارها لأنه لا برلمان في العالم يصدر 100 أو 150 قانوناً في السنة إن واصل المجلس انعقاده من دون أي عطل، وهذا إن لم تدخل قوانين جديدة ملحة في القائمة خلال الفترة المنشودة، وبالتالي فإن المسائل والملفات التي ستحدث هزات اجتماعية كما هو حال المنشآت المؤممة سيتم تأجيلها ولن تكون أولية بالنسبة للحكومة”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك