في أبريل/نيسان 2025 صدرت رواية «الراوي المريب» لفواز حداد في خمسمئة وعشرين صفحة من القطع الكبير، مقسّمة إلى قسمين: الأول بعنوان «الروائي الشبح» في اثني عشر فصلاً، والثاني بعنوان «الربيع العربي» في تسعة وعشرين فصلاً.
هذا التقسيم وحده يُخبرك بشيء جوهري، الرواية تسير من الخاص إلى العام، من تشريح جسد الوسط الثقافي الموالي إلى اللحظة التي انفجر فيها كل شيء.
تستخدم الدول القمعية الثقافة درعاً وسيفاً في آنٍ واحد، درعاً تحتمي خلفه أمام العالم، وسيفاً تُصفّي به خصومها من الداخل.
حداد يذهب إلى ما هو أعمق من هذه المعادلة المألوفة؛ يكشف كيف تحوّل المثقف بنفسه، بجشعه وطموحه وخوفه إلى الأداة الأمضى في يد النظام، وكيف أن الجلاد والضحية يسكنان أحياناً جسداً واحداً.
تنطلق الرواية من لحظة تاريخية سورية بعينها: موت الأب الذي حكم بقبض، فلم تناسبه، فعاد إلى أدوات أبيه القمعية ذاتها، ودخلت البلاد في حرب شرّدت الملايين.
في ظل هذا التحول المضطرب تنمو أحداث الرواية، حين يُعيد كل مثقف حساباته، ويتموضع من جديد بحثاً عن موطئ قدم في خريطة السلطة الجديدة.
في قلب هذا المشهد يعمل طه، رجل المخابرات الذي يُحرّك كل شيء من خلف الستار.
طه يفهم الحقل الثقافي بعين الأمني؛ يرى فيه شبكة من المصالح والطموحات والمخاوف قابلة للتوظيف جميعاً.
مهمته تحويل الثقافة إلى امتداد طبيعي للسلطة، بتوزيع الفرص وفتح الأبواب أمام من يستأهل الثقة وإغلاقها أمام من يُثير القلق.
في هذه المنظومة يجد فريد جسّام وحسين كرّوم موقعهما الطبيعي؛ ناقدان وروائيان بنيا حضورهما عبر التقرب من المؤسسات الرسمية وإتقان فن الانحياز المُقنَّع بلغة النقد.
حين يظهر أسعد العراد، الروائي الشبح الذي ينشر رواية «لقاء لا ينتهي»، بعيداً عن كل الشبكات المعتادة ثم يختفي، يعجز جسّام وكرّوم عن مواجهته فنياً، فيلجآن إلى السلاح الأقدم والأسهل: الاتهام بالخيانة والعمالة وتحويل الخلاف الأدبي إلى قضية أمنية، حتى تدخل الأجهزة على الخط وتبدأ التقارير وتلفيق التهم ومحاولات الإقصاء المعنوي وربما الجسدي.
العراد يقاوم بالاختفاء، يُصدر عدة روايات بأسماء مستعارة مختلفة، متحركاً في الظل، محتفظاً بقلمه حراً، بينما باع الآخرون أقلامهم جهاراً.
غيابه وحده يُزعزع المنظومة، لأن نجاحه خارجها يكشف أنها ضرورة بقاء لا ضرورة إبداع.
وهنا يستدعي حداد سارتر وبوفوار، قناعاً فاضحاً لنمط متكرر في تاريخ الثقافة.
جسّام يمارس هذا النمط بوضوح صارخ؛ يستغل طموح صفاء وغيرها من الفتيات الباحثات عن الشهرة، فيعدهن بتحقيقها مقابل أن يتحولن إلى عشيقاته.
القلم هنا أداة إغواء والشهرة سلعة تُباع وتُشترى، والمثقف الذي يرفع راية التحرر يمارس في الخفاء أبشع أشكال الهيمنة على من هم أضعف منه.
سارتر وبوفوار اللذان جعلا من حريتهما الجنسية فلسفة معلنة، يحضران هنا كمرآة تعكس التناقض الأزلي بين الخطاب التحرري والممارسة الاستغلالية، لكن المفارقة المؤلمة التي يرسمها حداد ببراعة أن جسّام نفسه يقع لاحقاً ضحية الأداة ذاتها.
حين يُقرّر النظام تحويله إلى كاتب عالمي يخدم واجهته أمام الغرب، يُبلّغه طه بشرط باتريك مدير شركة العلاقات العامة اللندنية التي يستخدمها النظام واجهةً حضارية.
باتريك يعمل بمنطق السوق البارد: يعرف ما يريده الغرب من الشرق، ما الروايات التي تُترجم وتُكرَّم وتفوز بالجوائز.
شرطه أن يكتب جسّام عن المثلية، وأن يعيشها أولاً حتى تكتسب الرواية مصداقيتها.
الجلاد يصبح ضحية.
من استغل جسد الآخرين ثمناً للشهرة، يُطلب منه الآن جسده ثمناً للشهرة ذاتها.
النظام يستخدم خطاب التحرر والحداثة، تلك اللغة التي يتظاهر بها انفتاحاً أمام الغرب، أداةً للإذلال والابتزاز من الداخل.
الجلاد يصبح ضحية.
من استغل جسد الآخرين ثمناً للشهرة، يُطلب منه الآن جسده ثمناً للشهرة ذاتها.
النظام يستخدم خطاب التحرر والحداثة، تلك اللغة التي يتظاهر بها انفتاحاً أمام الغرب، أداةً للإذلال والابتزاز من الداخل.
جسّام يقبل.
جشعه يفتح الباب، والمخدرات تُزيل ما تبقى من حدود، فيتمادى بعيداً عما طُلب منه.
النظام أراد توظيفه لا إفناءه، لكن جشعه الذي أوصله إلى هذا الطريق أوصله إلى نهايته.
يموت وحيداً في لندن، قتله الطموح الذي جاوز كل حد في ظروف صنعها النظام ببرود محسوب.
هذا ما يجعل «الراوي المريب» رواية تتجاوز حدود التوثيق السياسي، تشريحا لآلية أشد خبثاً من القمع الصريح.
النظام القمعي يُهيّئ الظروف ويترك الطمع والخوف يفعلان فعلهما.
يستخدم كتّابه لتشويه الأحرار وتخوينهم، ويستخدم الغرب الساعي إلى صورة «الشرق المتحضر» ورقةً ضغط على مثقفيه، ويستخدم الجشع البشري حبلاً يشنق أصحابه بأيديهم.
وحين أقرأ هذه الرواية أستحضر، وهذه إسقاطاتي أنا لا الرواية، ثلاثة أصوات تُضيئها من الخارج.
إدوارد سعيد حين تحدث عن المثقف الحقيقي بوصفه من يقول الحقيقة للسلطة، كان يرسم النقيض التام لجسّام وكرّوم.
وكافكا حين جعل أبطاله يذوبون في أنظمة غامضة من دون محاكمة ولا جريمة مُعرَّفة، كان يرسم مصير العراد مع فارق جوهري: العراد يتسلل من تحت المنظومة.
وكولن ويلسون حين تحدث عن «اللامنتمي» بوصفه كائناً يرى أعمق من الآخرين ولا يجد وطناً لرؤيته، كان يصف كل من اختار في هذه الرواية الغياب الحقيقي على الحضور الزائف.
يقول حداد في خاتمة روايته التي كتبها قبل سقوط النظام: انهار النظام بعد ما وقع في يقيننا أنه ماضٍ بنا إلى الأبد، وهكذا لأول مرة منذ ما يزيد على نصف قرن عرف السوريون الفرح الحقيقي.
كتبت النهاية السابقة من قاع اليأس والظلام تجتري زمن البلد المحكوم بالأبد الرئاسي.
» هذه الكلمات تُعيد قراءة الرواية كلها من جديد، فما كُتب من قاع اليأس تحوّل بفعل التاريخ إلى شهادة على زمن انقضى.
حداد كتب تشخيصاً لواقع يراه مستمراً، فإذا بالواقع ينهار من تحت قلمه.
غير أن الفرح الحقيقي الذي تحدث عنه حداد يطرح سؤاله الكبير الذي تتركنا الرواية في مواجهته: هل السوريون أمام فجر حقيقي، أم أن المنظومة التي شرّحتها هذه الرواية بكل آلياتها وأدواتها قادرة على التجدد تحت أسماء جديدة؟ وهل النظام الجديد سيكرر ما فعله سابقه من توظيف الثقافة والمثقفين، أم أن السوريين يعيشون أخيراً ذلك الفضاء الحر الذي طالما حلم به أسعد العراد حين اختار الكتابة في الظلام بأسماء مستعارة؟ الرواية كُتبت من اليأس.
والسؤال يُكتب من الأمل.
وما بينهما سوريا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك