يشكّل عالم الفنان التشكيلي السوري خليل عبد القادر، تجربة بصرية تنبثق من تداخل عميق بين الذاكرة والوجدان، حيث تتحوّل اللوحة بين أنامله إلى مساحة حية لإعادة تشكيل العالم لا لنسخه.
في رؤيته، لا ينفصل الفن عن التجربة الشخصية، بل يتماهى معها إلى حدّ بعيد، إذ يقول إن اللون لديه ليس مجرد أداة، بل خميرة يعجن بها عوالمه ويستخلص منها ملامحها، في إشارة إلى علاقة عضوية بينه وبين مادته التشكيلية.
تنتمي تجربة عبد القادر إلى الحس التعبيري، الذي يمنح الأولوية للداخل الإنساني، حيث تبدو شخوصه وكأنها تخرج من طبقات الوعي العميق، لا من ملاحظة الواقع المباشر.
فهي كائنات «تعيش خارج الأرض والسماء»، كما يصفها، تتحرك داخل اللوحة وتبادله النظرات، في علاقة تكاد تكون تفاعلية بين الفنان وأعماله.
ومن هنا، لا يهتم بالتفاصيل الواقعية الدقيقة، بقدر ما يذهب إلى الأمكنة الأكثر تعبيرية في الجسد، معتمدا على الاختزال والتحوير لتكثيف المعنى.
اللون في تجربته ليس عنصرا زخرفيا، بل لغة قائمة بذاتها.
يصفه بأنه «رحلة للوهم البديع» ووسيلة لقراءة «رموز الدهشة»، وهو بذلك يحمّله أبعادا نفسية ووجودية.
وقد تشكّلت هذه العلاقة المبكرة مع اللون من بيئته الأولى، حيث نشأ في قرية شمالي سوريا عام 1955، في فضاء طبيعي قاسٍ ومفتوح في آن، وكان يرسم على الصخور والنوافذ، ويراقب تحولات اللون في الطبيعة، من آثار الأكسدة إلى تغيرات الفصول.
هذه التجربة الحسية المبكرة جعلته يشعر بأن «الألوان تنبت تحت أظافره»، في تعبير شاعري يلخّص عمق ارتباطه بالمادة.
كما تكشف تصريحاته عن وعي مبكر بقسوة الحياة، إذ يقول: «عرفت باكرا أن الحياة خدعة»، وهو إدراك انعكس في أعماله التي تمزج بين الحلم والمرارة.
ويضيف في موضع آخر أن اللوحة بالنسبة له «مغامرة حرية»، في مقابل واقع يفرض القيود، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي، كما حدث حين مُنع من استخدام لغته الأم في المدرسة.
هذه التجارب لم تكن عابرة، بل أسهمت في تشكيل حسّه الفني، ودفعته إلى اتخاذ الفن وسيلة للمواجهة والتعبير.
وفي مراحل لاحقة، ومع تنقله بين البيئات المختلفة، تعمّقت تجربته، خاصة في تعامله مع اللون، حيث يشير إلى أنه «تدرّب على مخاض الأصفر ولوعة الأزرق»، في توصيف يربط اللون بالحالة الشعورية.
كما أن احتكاكه بأمكنة ذات ثقل تاريخي وإنساني أضفى على أعماله بعدا دراميا، يظهر في التوتر بين الضوء والعتمة، وبين الانفعال والسكينة.
ورغم ما قد يبدو من تقاطعات في بعض أعماله، إلا أن ذلك يندرج ضمن سعيه المستمر للوصول إلى جوهر التجربة، إذ يؤكد أنه يعيد الاشتغال على الفكرة ذاتها عبر صيغ متعددة، في نوع من البحث التأملي.
فاللوحة لديه ليست نتيجة نهائية، بل كيان مفتوح، يتشكل عبر الحوار بين الخط واللون، حيث «الخط كلام يسكنه، واللون موسيقى الذات».
في المحصلة، يقدّم خليل عبد القادر مشروعا فنيا يقوم على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب بصري غني، تتقاطع فيه الذاكرة مع الخيال، والحسي مع الفكري.
ومن خلال تصريحاته، يتضح أن الفن بالنسبة له ليس ترفا، بل ضرورة وجودية، وسيلة لفهم العالم، وربما لإعادة احتماله.
من «حسي أوسو» إلى ألمانياوُلد الفنان خليل عبد القادر عام 1955 في قرية (حسي أوسو) التابعة لناحية عامودا، وهي منطقة غنية بالمخزون البصري والبيئي الذي أثر لاحقاً في تكوينه الفني.
غادر قريته في سن مبكرة متوجهاً إلى مدينة الحسكة، التي شكلت محطة حضرية مهمة في حياته، قبل أن يقرر خوض غمار الاغتراب، حيث استقر في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثة عقود.
تمتاز تجربته التشكيلية بالقدرة على المزاوجة بين التجريد والرمزية.
وغالباً ما تحضر في لوحاته «تضاريس الذاكرة»، حيث يعيد صياغة مفردات البيئة الشرقية (الأرض، التراب، ملامح الوجوه القديمة) لكن بأدوات وتقنيات تنتمي للمدرسة التعبيرية الحديثة.
واستطاع خلال سنواته الثلاثين في ألمانيا أن يدمج بين فلسفة الفن الأوروبي في التكوين واللون، والروح الوجدانية السورية، ما جعل أعماله جسراً ثقافياً يحظى بتقدير في المعارض الألمانية والدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك