الجواب عن هذا السؤال يتفاوت بين أن تكون الأمَّةُ في لحظات الصعود أو لحظات الهزيمة.
فالحضارة في لحظات الصعود تنمو بتكاتف أبنائها على مقاصد النهوض والمراكمة وتصويب الأخطاء.
ويمكن أن نجزمَ بالقول إنه ما كان للحضارة العربية الإسلامية أن تستمر في الحياة وأن تتسامق إلا على أكتاف العباقرة، ولذلك براهين جلية:1- لولا الفراهيدي وتلميذه الليث ما تحقَّق لنا أول عمل لإصدار معجم للعربية، 2- ولولا سيبويه ما حصلنا على أشمل تصوُّرٍ للنحو لا يزال صامداً بمنطقيتِهِ إلى يومنا هذا، 3- ولولا الحنفيُّ الجصاصُ ما تنظَّمَ الخلافُ الفقهيُّ في نظرية عامة هي أصول الفقه، 4- ولولا الفارابي ما تعرَّبت الفلسفة اليونانية في كنف الحمَدَانيِّين في حَلَب، 5- ولولا الزمخشري المعتزلي ما تأسس تفسير القرآن على البيان بديلاً لتضارب أقاويل التفسير بالمأثور، 6- ولولا ابن سينا ما حصل تنظيم لعلوم الطب لذلك العصر بعربية منهجية، 7- ولولا الغزالي ما دخل المنطق في الجهاز العصبي للعلوم الإسلامية (تعريفاً واستدلالاً وتصنيفاً وبناءً للأنساق)، 8- ولولا الجرجاني ما تنظمت المقترحات البلاغية في نسق عام متناغم مع علم النحو، 9- ولولا تراكم تلك الثمانية لما ظهرت المقدمة الخلدونية ولَمَا حصلنا على برهان يدل على إمكان الاختراق الإبداعي للأمة العربية الإسلامية لعلوم الأسبقين.
لكن كل هذه الحالات العبقرية التسع لا تزدهر إلا بوجود شخصيات وسيطة تلحظ حصول تلك العبقريات فتشرحها إلى طلبة مقتدرين يستوعبون معانيها فتنتشر في كل خلايا الجسد الحضاري.
وبغياب الوسيط العلَمَائي والنشر الطلابي ما كان للمعجم والنحو أن يستمرَّا في النماء، فضلاً عن نمو التأليف في الأصول والتفسير والمنطق والفلسفة والبلاغة والطب والعمران.
إذن بغياب الوسيط المستوعب والمتلقي المُتَتَلمذ تصير العبقرية هباءً منثوراً.
وهذا بالذات الذي دفع بالموافقات للشاطبي والمقدمة الخلدونية إلى الانطماس قروناً حين كانت الحضارة في لحظات تقهقر، فلم تَعتن بهما الأمةُ درساً وبناءً إلى أن جاءت النهضة التعليمية المعاصرة.
ومع اشتداد أُلفَةِ الأمَّةِ بالعيش في عصور الانحطاط ازداد اعتقادها بغيبة العبقري، بل حتى إن ظهر العبقري على فترة من الزمان، شكَّت في شرعيَّة ظهوره، بمقولات من شأن «من أنت لتزيد على الإمام فلان؟ ».
وعليه صار تقبل المجتهد أقرب إلى المستحيلات.
مثالاً على ذلك خُذْ لحظات الهزيمة الشديدة، أي بعد ابتلاع الوطن العربي في براثين الاحتلال، بعد الحرب العالمية الأولى، ظهر (مجتهدٌ متمكن من مجمل علوم التراث) واسمه الطاهر بن عاشور.
فرام النهوض بتفكير الأمة، لكن التشرب باجتهاداته كان بسيطاً جداً خارج تونس.
وقد طَفِقَ فكره ينتشر بخجل في العقود الأخيرة بعد أن أخذ (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) على عاتِقِهِ نشر فكرة المقاصد منذ بواكير التسعينيات.
ومع ذلك فإن أفكاره لا تزال مجهولةً لدى الجمهور.
إذن، العبقرية من دون الوسط العلمائي، تظل منطمسة أو قابلة للاندثار في حال ضياع المؤلفات، أو وهن الاستيعاب لمضامينها، فهل هناك سببٌ آخرُ لمقاومة العبقرية وتجدد الاجتهاد؟نعم، قد تمارس الطبقة العُلمائية الوسيطة، نوعاً من خداع الذات فتردُّ بأنها لا تُغلِق باب الاجتهاد، بل تُرَغِّبُ فيه، لكن بشروط وضوابط، يقول بعضهم بها جميعاً وبعضهم يقول بأقلِّها.
ومن هذه الشروط والضوابط: 1- ألّا يخالفَ الاجتهادُ الإجماعَ (ولو كان سكوتياً)، 2- وألا يخالف أقوالَ الأئمة مؤسسي المذاهب، 3- ويذهب آخرون ويبالغون في الاشتراط بعدم مخالفة راجح المذهب لدى المتأخرين، 4- وأن يكون الاجتهاد مفهوماً لدى أئمة المساجد (دون استدلال دقيق، وتركيب طويل، واستدخال لعلوم مستجدة)، 5- وأن يكون هذا الاجتهادُ ضمن التيارات الحركية الشائعة، 6- وألا يثير حفيظةَ وُلاة الأمور.
وإلا فإن عَارَضَ الاجتهادُ هذه القيود فهو مخالَفَةٌ للإجماع، ومُناقَضَةٌ لأقوال الأئمة، ومعانَدةٌ لراجح المذاهب المتأخرة، وعسيرٌ على أفهام الشيوخ، وخروجٌ على صف الجماعات القائدة، وإزعاج لولاة الأمور.
وهل يأتي الاجتهاد إلا فعلاً تحررياً بكسر هذه الأغلال؟المدهش ها هنا أن عقابيل التجديد في عصور الهزيمة لا تقف على انحسار الطبقة العُلمائية الوسيطة، إذ حتى لو تَفَطَّنَتْ هذه الطبقة على خداع الذات وأخَذَت تَقبَلُ الحراكَ العبقري والإفساح للاجتهاد، ظَهَرَ أن الأمة في لحظة التهاب، وأزمة انقسام وتخوين، ما يدفع فاعلاً جديداً للهيمنة على الساحة، ألا وهو كتائب المتدينين العوام، فيقومون برد فعل مناعي ضد الاجتهاد، ظانين أنه قادمٌ من قوى خارجية أو قوى داخلية عميلة، ما يفضي لإجهاض أيِّ حراك عبقري.
عقابيل التجديد في عصور الهزيمة لا تقف على انحسار الطبقة العُلمائية الوسيطة، إذ حتى لو تَفَطَّنَتْ هذه الطبقة على خداع الذات وأخَذَت تَقبَلُ الحراكَ العبقري والإفساح للاجتهاد، ظَهَرَ أن الأمة في لحظة التهاب، وأزمة انقسام وتخوين، ما يدفع فاعلاً جديداً للهيمنة على الساحة، ألا وهو كتائب المتدينين العوام، فيقومون برد فعل مناعي ضد الاجتهاد، ظانين أنه قادمٌ من قوى خارجية أو قوى داخلية عميلة، ما يفضي لإجهاض أيِّ حراك عبقري.
يتفاقم هذا الالتهاب المناعي مع المُقلِّد المُتعصِّب، إذا علمنا أن المجتهد لا يتلقى القديم على حاله، بل يُسارِعُ إلى تصويبه على مراحل، 1- فإذا استخدم لفظاً من السياق التقليدي «كمقصد حفظ الدين»، سَعَى إلى تغيير معناه الاصطلاحي ليكون «حفظ الأمة»، 2- وإذا قَبِلَ واقعةً تاريخيَّةً سَعى إلى طلب المزيد من المصادر لاستيعاب سيِاقِها الأشمل، كواقعة هزيمة الروم من قبل الفرس المذكورة في القرآن، 3- وإذا سلَّم بلفظ «السنة» ووقائع «السيرة» رام ضَبطهما في تصنيف جديد كما فصَّلَ ابن عاشور قائلاً: «من أحوالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي يصدر عنها قولٌ منه أو فعل – اثني عشر حالاً.
وأشد الأحوال التي ذكرناها اختصاصاً، هي حالة التشريع».
وهذا يجعل للنبي اثني عشر مقاماً يكون الإلزام التكليفي مقصوراً على شطر قليل من مقاماته لا كلها، 4- وإذا صاغ كل ذلك جاء به على أسلوبِه اللغوي نفسه، لا أسلوب سابقيه.
هذا يعني أن المجتهد يخالفُ المُقلِّدَ في تلقيه للتراث (اصطلاحاً، وواقعةً، وتصنيفاً، وأسلوباً) حتى لكأنَّه ينقلبُ التديُّنُ في يديه ظاهرةً أخرى.
هذه الأربعة هي التي تستَفِزُّ المقلِّدَ المتعصب لاستهجان التجديد وعدِّه مخالفةً كفريَّةً.
إذن، التجديد بحدِّ ذاته يخالف (معجم المتعصب، ومسلماتِه التاريخية، وتصنيفه للمسائل، وأسلوبه الخطابي) فيتأذَّى من سماعه، فضلاً عن التعاطي معه لأنه مصادمةٌ لما أَلِفَهُ واعتَادَهُ.
هنا فلنُذَكِّرْ بأن المُتديِّنَ يقعُ بين أحوال ثلاث: 1- فإما أنه مجتهدٌ فهذا من النخبة العبقرية، 2- أو أنه مقلِّدٌ عاجز عن الاجتهاد (لكنه حسن النية ويعامل المخالفين بالحسنى) فهذا خيره أكثر من شَرِّه، 3- أو أنه مقلِّدٌ متعصبٌ (سيِّءُ الظن يعامل المخالفين بأسافل الأخلاق) وهذا شَرُّهُ أكثر من خيره.
وإذا كانت فئةُ المجتهدين في عصور الهزيمة نادرةً نزيرة، وكانت فئة المتدينين حَسَنِي النية خافتة الصوت في الغالب، آلَتْ الغلبةُ لأن تكون لأسافل المتدينين وأكثرهم شراسةً.
ولا جرم أن تكون غلبة الأسافل شراً عظيماً يصد أمواج الاجتهاد، فيمانِعُونَ أن يتجدد الدين على رأس كل مئة سنة، وذلك لتواتر ردود أفعال عاميَّة ثلاثة: 1- فإذا سمِعَ هذا المُتعصِّبُ قولاً مُعارِضاً لمذهبه سارع لاِتِّهَامِ المُجدِّدِ بالجهل، 2- وإذا بَسَطَ المُجَدِّدُ مصادر قولِهِ وتعمقه في الأدبيات، اِتَّهَمَ المُتعصِّبُ المجدِّدَ بعدم الفهم والغباء، 3- فإذا قدَّم المُجدِّدُ منظومتَه التأويلية التي تبرهِنُ على الفهم وترفع الغباء، اِتَّهَمَ المُتعصِّبُ المجدِّدَ بسوء النية أو العمالة أو الزندقة.
بمعنى أن المجدِّدَ، أيُّ مُجَدِّدٍ، إما يكون على مذهب المقلِّدِ تماماً، فيزول عنه التجديد، أو أنه (جاهلٌ فغبيٌّ فزنديقٌ)، فكيف بالأمة أن تظهر فيها العبقرية لتبقى حية؟هذه المخمصة توجب أن نُذَكِّرَ بالمقدمات الأولى، فالاجتهاد بطبعه هو استنفاد الوسع في استيعاب التراث، لابتكار أجود الحلول لإشكالات الحاضر.
وعليه يمتنع الاجتهادُ من أن ينهض إذ تلوث بآفاتُ أربع (التعصب للرأي الفردي، أو التحزب للجماعة، أو التواطؤ مع الطاغوت المحلي، أو العمالة للغازي الأجنبي) أو خليطاً من أربعتها.
فإذا كان الاجتهادُ مُتخلصاً من الآفات الإفسادية تلك ومع ذلك لا تزال العامة في صدود عنه، فاعلم أنَّ العامة (وإن تفانت في التزام الواجبات والنوافل) قد صارت هي نفسُها آفَةَ نَفْسِهَا، حتى لتصير أداةً من أدوات التعصب والتحزب والتواطؤ والعمالة.
وعليه تنقلبُ القوى المناعية للأمة إلى حالة مرضيةٍ من الفتك بالذات فيصير شطرٌ من العامة ممن لا يتعاملون بالحسنى مساوياً للأعداء إيذاءً لثقافة الأمة، إن لم يكن أشد.
وتتجلى هذه الحالة في الجدالات التنابزية، التي نراها في محافل الجدل بين الإمامية والسلفية والأشعرية.
ويمكن وضع اختبار بسيط لخيرية المقلِّد، فإن كان العامي مسترشداً بطبقة عُلَمَائيَّةٍ تُعَلِّمُه، وكانت تلك مُستَعصِمَةً بنخبة من المجتهدين الأحياء القائدين لها، عرفنا أن المُقَلِّدَ قابل للانصلاح.
أما إن كان هذا المُقَلِّدُ غيرَ مُستَرشِدٍ بطبقة عُلمائية ترشده بعلوم العبقري الحيِّ، تحوَّلَ هذا العامي المتدين إلى مادة للشر.
وعليه فإذا غابت الطبقة العُلمائية الداعمة للاجتهاد خلت الساحة لمتعصبة العوام.
وبما أن العامي لا يتحرى التخلص من عوارض الفساد (التعصب والتحزب والتواطؤ والعمالة) صار الأصلُ في المتدين المتعصب الفساد حتى يَثبُتَ العكس.
أو قُل: الأمة في لحظات الهزيمة لا تتفاقم هزيمتها لأن الخارج يهزمها عسكرياً، بل لأن الداخل أيضا يمنعها من التجدد الذاتي.
وعليه لا يزال حالُ الأمة المهزومة في نقصان من خارجها وداخلها حتى تنقرضَ من ظهر البسيطة انقراضَ البابليين والفراعنة، أو أن يعود لها رشدها باستيقاظ الطبقة الوسيطة وتكاتف المقلدين لمساندة المجتهدين، أو قل، لو قُدِّرَت هزيمةُ الطبقة العلمائية الوسيطة قديماً، وقُدِّرَت غلبةُ أسافل المُتدينين أن يطمسوا مؤلفاتِ سيبويه وابن سينا والغزالي لانطمستْ انطماسَ الموافقات، ولأخذنا نتباكى كيف لحضارة أن تقوم بغير العلوم التسعة أعلاه.
إذن كلُّ أمةٍ بما كسبت رهين، فإن شاءَتْ قتل العبقرية فَلْتُؤذِنْ بخراب العمران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك