المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل تُشكل بداية لمرحلة جديدة في المنطقة على قاعدة «وحدة الساحات»، وهي بذلك محاولة لتكريس قواعد اشتباك جديدة، وهذا ما يُرعب الإسرائيليين حالياً، وهذا أيضاً ما جعل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يستشاطُ غضباً ويتجاهل كل المطالبات بالهدوء وعدم التصعيد.
الضربة الإيرانية للمواقع الإسرائيلية مساء الأحد، جاءت رداً على اعتداء إسرائيلي كبير استهدف العاصمة اللبنانية بيروت، لكن القصة ليست هنا، وإنما هي في أن هذا الرد الإيراني يأتي بعد أيام من تحذير واضح من طهران بأن الاعتداء على لبنان أو غزة، سوف يعني انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وسوف ترد عليه القوات الإيرانية عسكرياً، وهو ما حدث فعلاً.
في اليوم الأول من الشهر الحالي، أي قبل سبعة أيام فقط من اندلاع هذه المواجهة العسكرية، نشرت وكالة «تسنيم» الإيرانية خبراً مفاده أن «المفاوضين الإيرانيين أكدوا ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية في غزة ولبنان»، ونقلت الوكالة عن الحرس الثوري قوله إن «إيران تعتبر تجاوز الخطوط الحمر في لبنان وغزة بمثابة مواجهة مباشرة معها».
وفي اليوم ذاته أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً رسمياً وعلنياً قالت فيه، إن «انتهاك وقف إطلاق النار في أي من الجبهات هو انتهاك في جميع الجبهات»، أما قائد فيلق القدس في الحرس الثوري فصرح في اليوم ذاته أيضاً قائلاً: «الاعتداءات الصهيونية على غزة ولبنان ستجعل الملاحة في باب المندب مشابهة لهرمز».
كل هذه التصريحات كانت تعني أن لدى الدولة في إيران قرار واضح بأن وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملاً، وأن طهران لا يُمكن أن تقبل بالاستفراد بلبنان أو غزة، ولا يُمكن أن تسكت في حال استمر المشروع الإسرائيلي هناك.
وفور الهجوم الإسرائيلي على العاصمة بيروت، سارعت إيران إلى الرد عسكرياً، وهو ما أعاد الحرب من جديد في المنطقة.
هذه التطورات تحمل جملة من الدلالات المهمة، التي يجب عدم تفويتها:أولاً: إيران نفّذت وتُنفذ التهديدات كافة التي أطلقتها في السابق، ولم يكن اشتراطها شمول لبنان في وقف إطلاق النار مجرد دعاية، والجديد الآن أنها شملت غزة بشكل واضح لأول مرة في تصريحاتها عن وقف إطلاق النار، وهي – أي غزة – مشمولة بكل تأكيد بعبارة «الجبهات» التي جاءت في بيان الخارجية الإيرانية يوم 1 حزيران/ يونيو 2026.
ثانياً: المواجهة العسكرية الجديدة تُشكل تكريساً لمبدأ «وحدة الساحات» الذي ظهر لأول مرة في عام 2021 عند اندلاع معركة «سيف القدس»، التي كانت رداً على الاعتداءات التي استهدفت المسجد الأقصى.
وفي حال نجح الإيرانيون في تكريس هذه القاعدة فهذا يعني أن مبدأ الاستفراد الإسرائيلي في كل جبهة على حدة سينتهي، وهي استراتيجية يستخدمها الإسرائيليون منذ سنوات، بالتفرغ لمحاربة كل جبهة على حدة وإضعافها، ومن ثم الانتقال الى الجبهة الأخرى، وهي استراتيجية استخدمتها إسرائيل في السابق، وأعادت استخدامها بنجاح منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما بعده.
ثالثاً: هذه المواجهة العسكرية تُشكل إحراجاً بالغاً لكل الدول العربية، التي أمضت أربعين عاماً في الترويج إلى أن ما تقوم به إيران ليس سوى مجرد دعاية، وأن إيران تريد استخدام فلسطين في هذه الدعاية، من دون أن تقوم بأي فعل، وواقع الحال اليوم ينسف هذه المقولة.
إذ إن إيران استطاعت تشكيل تحالف استراتيجي مهم على مستوى المنطقة، وهذا التحالف هو الذي يُشعر الإسرائيليين بأنهم مهددون أكثر من أي وقت مضى، بل إن المواجهة اليوم أوسع وأكبر وأخطر بالنسبة لتل أبيب من الحروب العربية الاسرائيلية السابقة.
والخلاصة هي أن هذه الحلقة الجديدة من المواجهة العسكرية في المنطقة تُشكل تحولاً بالغ الأهمية، وتُعيد ترتيب قواعد الاشتباك، كما أنها تهدف الى إعادة تكريس مبدأ «وحدة الساحات»، وهو المبدأ أو الاستراتيجية التي كانت قد ظهرت في عام 2021، وهي تتناقض تماماً مع استراتيجية «الاستفراد» و»تحييد الجبهات» التي نجح بها الاسرائيليون سابقاً، والتي تقوم على التفرغ لكل جبهة على حدة مع تسكين الباقين لحين الانتهاء منها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك