مع التصعيد المتسارع الذي شهدته الساعات الماضية بين إيران وإسرائيل عقب الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت والرد الإيراني الذي تلاه، تتزايد التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المنطقة دخلت فعلياً مسار حرب إقليمية مفتوحة، أو أنها لا تزال ضمن إطار الاشتباك العسكري المحدود والمحكوم بسقوف سياسية واستراتيجية معينة.
كما تبرز تساؤلات حول انعكاسات التطورات الأخيرة على الجبهة اللبنانية، واحتمالات توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية، ودلالات تراجع وتيرة عمليات حزب الله، إضافة إلى دخول اليمن على خط المواجهة.
وفي هذا السياق، يجيب العميد الركن المتقاعد بهاء حلال عن هذه الأسئلة في حديث لـ" ليبانون ديبايت"، مقدماً قراءة عسكرية واستراتيجية للمشهد الإقليمي.
الرد الإيراني وإعادة تثبيت معادلة الردعيرى العميد حلال أن الرد الإيراني الأخير يجب أن يُقرأ في إطار إعادة تثبيت معادلة الردع وليس في إطار التمهيد لحرب إقليمية شاملة.
ويستند في ذلك إلى ما يورده المفكر الأميركي توماس شيلينغ في أدبيات الردع الاستراتيجي، حيث يؤكد أن الردع لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة، بل بإظهار الإرادة السياسية لاستخدامها عند الضرورة.
ويشير إلى أن القيادة الإيرانية نظرت إلى الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية باعتباره استهدافاً مباشراً لأحد أبرز حلفائها الإقليميين، واختباراً لصدقية التهديدات الإيرانية السابقة، ومحاولة لكسر قواعد الاشتباك القائمة، لذلك جاء الرد الإيراني بهدف توجيه رسالتين متزامنتين: الأولى منع إسرائيل من الاعتقاد بأن استهداف الضاحية يمكن أن يمر من دون تكلفة، والثانية طمأنة الحلفاء الإقليميين بأن المظلة الردعية الإيرانية لا تزال قائمة وفاعلة.
ويخلص حلال إلى أن ما جرى يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ" الردع الترميمي"، أي استعادة التوازن وترميم مصداقية الردع أكثر مما يشكل مقدمة لاندلاع حرب شاملة.
هل نحن أمام حرب إقليمية أم اشتباك محدود؟ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الحرب الإقليمية قد بدأت فعلاً، يلفت حلال إلى أن تاريخ الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط أظهر دائماً وجود فجوة بين سقف الخطاب السياسي ومستوى السلوك العسكري الفعلي على الأرض.
ويشير إلى أن إيران أعلنت انتهاء عملياتها العسكرية، بالتزامن مع تأكيدها أنها سترد بقسوة على أي اعتداء جديد، وهو ما يعني عملياً أنها تسعى للانتقال من مرحلة الرد العسكري إلى مرحلة تثبيت قواعد اشتباك جديدة.
ويستشهد في هذا الإطار بنظرية" إدارة التصعيد" للباحث الأميركي هيرمان كان، والتي تفيد بأن الأطراف المتصارعة تسعى عادة إلى تحقيق ثلاثة أهداف متناقضة في آن واحد: إظهار القوة، وتجنب الهزيمة، ومنع اندلاع حرب شاملة.
وبناءً على ذلك، يرى حلال أن المنطقة لا تزال حتى الآن ضمن إطار" الاشتباك المحدود المضبوط"، لا ضمن إطار الحرب الإقليمية المفتوحة، مع بقاء خطر التصعيد قائماً نتيجة احتمال سوء التقدير أو وقوع حادث عسكري كبير قد يدفع الأمور إلى مستويات أكثر خطورة.
هل تتجه إسرائيل إلى توسيع العمليات البريةيعتبر حلال أن أي توسع بري واسع النطاق داخل العمق اللبناني لا يمكن النظر إليه كقرار عسكري صرف، بل كقرار سياسي - استراتيجي يرتبط بحسابات الكلفة والنتائج المتوقعة.
ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يدرك أن التوغل في مناطق ذات كثافة سكانية وجغرافيا معقدة كمنطقتي النبطية وصور يحمل مخاطر كبيرة، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو على مستوى القدرة على تحقيق أهداف عسكرية حاسمة.
لذلك فإن احتمالات التوسع البري الشامل تبقى مرتبطة بتطورات الميدان وبمدى قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها عبر القوة الجوية والعمليات المحدودة.
ماذا يعني تراجع عمليات حزب الله بعد الرد الإيراني؟أما في ما يتعلق بتراجع وتيرة استهداف المستوطنات من جانب حزب الله بعد الضربات الإيرانية، فيرى حلال أن ذلك لا يعني بالضرورة اكتفاء الحزب بالرد الإيراني أو خروجه من معادلة المواجهة.
ويؤكد أن سلوك الفاعلين العسكريين في مثل هذه الحروب يخضع عادة لحسابات سياسية وميدانية دقيقة، وأن تخفيض وتيرة العمليات قد يكون جزءاً من إدارة المعركة وليس مؤشراً على الانسحاب منها.
كما أن الحزب قد يكون بصدد مراقبة نتائج الرد الإيراني وما يمكن أن ينتج عنه من معادلات جديدة قبل تحديد مستوى انخراطه في المرحلة المقبلة.
دلالات دخول اليمن على خط المساندةويعتبر حلال أن دخول اليمن على خط المواجهة يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب العسكري المباشر، إذ يعكس استمرار ترابط ساحات المحور الإقليمي وتكامل أدوارها.
ويشير إلى أن أي إجراءات تتعلق بالملاحة البحرية أو بالممرات الاستراتيجية، وخصوصاً في منطقة باب المندب، تضيف عناصر ضغط جديدة على المشهد الإقليمي، وتؤثر في الحسابات الدولية المرتبطة بالأمن البحري والتجارة العالمية، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً وتشابكاً.
هل اشتداد المعركة يؤشر إلى نهايتها؟ورداً على السؤال عما إذا كان تصاعد المواجهة قد يشكل مؤشراً إلى اقتراب نهايتها، يرى حلال أن التاريخ العسكري يقدم نماذج متعددة لحروب شهدت تصعيداً كبيراً قبيل الوصول إلى التسويات السياسية.
ويلفت إلى أن اشتداد العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة اتجاهاً حتمياً نحو حرب أوسع، بل قد يكون محاولة من الأطراف المتصارعة لتحسين شروطها التفاوضية قبل الوصول إلى أي تسوية محتملة.
ويخلص إلى أن المنطقة تقف حالياً أمام مرحلة دقيقة، حيث يتداخل التصعيد العسكري مع المسارات السياسية والدبلوماسية، ما يجعل الاحتمالات مفتوحة بين استمرار الضغوط المتبادلة والتوصل إلى ترتيبات جديدة تحدد شكل المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك