بدأ الرئيس الصيني شي جين بينغ، أمس الاثنين، زيارة إلى كوريا الشمالية تستمر حتى اليوم الثلاثاء، والتي تعدّ الأولى له منذ سبع سنوات إلى البلد الحليف، حيث استُقبل استقبالاً حافلاً في بيونغ يانغ.
وتركز الزيارة التي يجري خلالها محادثات مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، على تعزيز العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ التي زادت تقاربها مع موسكو في السنوات القليلة الماضية.
وقبيل قمة شي وكيم جونغ أون، استقبل الزعيم الكوري الشمالي وزوجته ري سول جو، الرئيس الصيني وزوجته بنغ لي يوان في مطار بيونغ يانغ، حيث أقام كيم، وفق وكالة الأنباء الصينية" شينخوا"، حفل استقبال" مهيباً للرئيس شي في ساحة كيم إيل سونغ في بيونغ يانغ".
وأضافت أن أشخاصاً بملابس احتفالية اصطفوا إلى جانب أطفال ومراهقين حاملين الأعلام والورود والبالونات، لدى ترحيبهم بالرئيس الصيني، فيما عرض التلفزيون المركزي الصيني صوراً للاستقبال.
ويرافق شي وزوجته في الزيارة كلٌّ من مدير المكتب العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني كاي تشي، ووزير الخارجية الصيني وانغ يي.
ونقلت" شينخوا" عن الرئيس الصيني، أمس، قوله خلال محادثاته مع كيم، إنه" بغض النظر عن كيفية تغير الوضع الدولي، فإن التزام الصين الثابت من الحزب والحكومة بحماية المصالح المشتركة للبلدين والحفاظ على بيئة استراتيجية مواتية، لن يتغير".
وخلال قمة شي وكيم صرّح الأخير، بحسب" شينخوا"، بأنه منذ لقائه مع شي في بكين في سبتمبر/أيلول الماضي، شهدت العلاقات الثنائية تطوراً ملحوظاً في مختلف المجالات، ما عاد بفوائد ملموسة على شعبي البلدين.
وأعرب عن امتنانه العميق للرئيس الصيني على مقترحاته المهمة بشأن تطوير العلاقات بين البلدين.
علماً أنه في سبتمبر 2025، حضر كيم عرضاً عسكرياً في بكين بمناسبة الذكرى الـ80 لانتهاء الحرب العالمية الثانية.
وفي مقال موقع باسمه نُشر أمس، في صحيفة رودونغ سينمون الرسمية لكوريا الشمالية، قبل وصوله إلى بيونغ يانغ، كتب شي أنه يتطلع إلى لقاء كيم لمناقشة الصداقة بين البلدين، وتبادل الآراء حول التطوير الشامل للعلاقات الثنائية.
وأضاف أن العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ وصلت إلى" نقطة انطلاق تاريخية جديدة وتواجه فرصاً تنموية جديدة، وتتحمل مهام جديدة للعصر"، داعياً إلى" تعميق التواصل الاستراتيجي وتوجيه العلاقات الثنائية بحزم في الاتجاه الصحيح".
كتب شي في مقال أن بكين وبيونغ يانغ ينبغي أن تعارضا الهيمنة وسياسات القوة وترفضا أي مخطط أو عمل يهدف إلى إحياء العسكرة في المنطقةوأكد شي في المقال" ضرورة اغتنام الذكرى الـ65 لمعاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة بين الصين وكوريا الديمقراطية (كوريا الشمالية) كفرصة، وتعزيز التبادلات على جميع المستويات وعبر المؤسسات الحزبية والحكومية والعسكرية، وتنفيذ التوافقات المهمة التي تم التوصل إليها بين الجانبين، وإضفاء زخم جديد على تطوير العلاقات الثنائية".
وأضاف أن الجانبين ينبغي أن يعارضا الهيمنة وسياسات القوة ويرفضا أي مخطط أو عمل يهدف إلى إحياء العسكرة وتقويض الأمن والاستقرار في المنطقة.
وقال إنه ينبغي للبلدين أن يدفعا معاً نحو تعددية قطبية عالمية قائمة على المساواة والنظام، وعولمة اقتصادية تعمّ منفعتها الجميع وتتسع للجميع.
وتعد هذه أول رحلة خارجية لشي العام الحالي، وتأتي بعد أقل من شهر من استضافته اجتماعات متتالية في بكين، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وفي حين أن استضافة كلا الزعيمين تعكس ثقة الصين المتزايدة في مكانتها العالمية وقدرتها على التواصل المباشر مع قوى متعددة، فإن قمة شي وكيم والرحلة إلى كوريا الشمالية قد تأتي في إطار التركيز على إعادة تأكيد العلاقات الثنائية وإدارة المخاطر.
ويرى مراقبون صينيون أن بكين تعتبر تجديد الانخراط الاقتصادي أمراً بالغ الأهمية لإعادة تأكيد نفوذها على كوريا الشمالية في مواجهة تقارب بيونغ يانغ المتزايد مع موسكو.
وكانت الصين قد أعربت عن قلقها إزاء توطيد جارتها علاقاتها مع روسيا، ومن المتوقع أن تسلط الضوء على أهمية دعمها الاقتصادي وإثبات أنها لا تزال الخيار الأفضل لإنعاش الاقتصاد الكوري الشمالي المتعثر بسبب العقوبات الدولية.
ومع ذلك أثير الكثير من التساؤلات حول إمكانية أن تلعب الصين خلال الزيارة دور الوسيط في ترتيب لقاء قريب بين كيم وترامب.
وتعمل الصين وكوريا الشمالية بحذر على إعادة بناء علاقتهما بعد توتر نتيجة سنوات من العزلة بسبب جائحة كورونا خلال السنوات الماضية، واستياء بيونغ يانغ من موقف بكين بشأن نزع السلاح النووي.
تشعر بكين بالقلق إزاء العلاقة العسكرية الوثيقة المتزايدة بين كوريا الشمالية وروسياكذلك تشعر بكين بالقلق إزاء العلاقة العسكرية الوثيقة المتزايدة بين كوريا الشمالية وروسيا، خاصة بعد إرسال بيونغ يانغ قوات لها للقتال في الحرب ضد أوكرانيا.
في المقابل، تشير تقارير غربية إلى أن روسيا نقلت تكنولوجيا أسلحة متطورة إلى كوريا الشمالية، وعرقلت العديد من العقوبات الأممية ضدها، فضلاً عن الاعتراف بها دولة نووية.
فبعد لقائه شي في بكين، أعلن ترامب أنه قدّم لنظيره الصيني اقتراحاً لنزع السلاح النووي، فيما اكتفت الصين في بيان بالإشارة إلى مناقشتهما قضايا دولية مهمة، من دون أن يتطرق البيان إلى مسألة النووي.
ومع استمرار بيونغ يانغ في توسيع وتعزيز ترسانتها النووية، ذكرت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الرسمية أخيراً أن كيم تفقّد الأسبوع الماضي مصنعاً جديداً ينتج مواد نووية من الدرجة المستخدمة في صنع الأسلحة، ونقلت عنه قوله إن البلاد تخطط لتعزيز قواتها النووية بمعدل هائل.
كذلك قالت كيم يو جونغ؛ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، أول من أمس الأحد، إن البرنامج النووي نتيجة نهائية لا رجعة فيها يجب تنفيذها دون قيد أو شرط، واصفة مساعي الولايات المتحدة لنزع السلاح النووي بأنها حلم عفا عليه الزمن.
في تعليقه على قمة شي وكيم في بيونغ يانغ، والنتائج المرجوة منها، قال الباحث في المعهد الصيني للدراسات الآسيوية، ليو وانغ، لـ" العربي الجديد"، إنه لا يعتقد أن الصين في هذه المرحلة وفي ظل المعطيات الراهنة، تتطلع لأداء لعب الوساطة في مسألة نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، حتى وإن كان هذا الملف مدرجاً على جدول أعمال الزيارة.
وأوضح أن هذا الملف" لا يمثل أولوية قصوى بالنسبة لبكين، وذلك لعدة أسباب، من بينها أن الأخيرة تحمل اعترافاً ضمنياً بأن بيونغ يانغ أصبحت بالفعل قوة نووية، وربما تشير إلى ذلك مشاركة رئيس الوزراء الصيني لي تشانغ، في عرض عسكري ضخم نظمته بيونغ يانغ، العام الماضي، تضمن استعراض أحدث الصواريخ النووية التي تمتلكها كوريا الشمالية".
وأشار ليو وانغ أيضاً إلى أن" كيم دأب خلال الأعوام الأخيرة على تقديم نظامه باعتباره قوة نووية لا يستهان بها"، معتبراً أن" الاعتراف بذلك يمثل الأساس الذي يجب أن تقوم عليه أي محادثات مع الجانب الأميركي".
وبحسب ليو وانغ فإن" بكين تدرك جيداً صعوبة تغيير الوضع القائم، لذلك تختصر على نفسها عبء الخوض في هذا الملف الذي تختلف فيه مع واشنطن".
ليو وانغ: شي قد يؤكد خلال الزيارة أن بلاده تمثل شريان الحياة الأساسي لبيونغ يانغ وعصب الاقتصادوما يهم الصين من خلال قمة شي وكيم في الوقت الراهن، في رأيه، هو" الحفاظ على علاقتها بكوريا الشمالية في ظل التقلبات الجيوسياسية وبعد سنوات من العزلة بسبب ظروف ومتغيرات سياسية أدت إلى حالة الفتور والحذر والترقب".
ولفت أن" شي قد يؤكد خلال الزيارة عبر ما قد يتم التوافق بشأنه على مستوى الصفقات التجارية، أن بلاده تمثل شريان الحياة الأساسي لبيونغ يانغ وعصب الاقتصاد، في حين أن الدور الروسي لا يعدو كونه علاقة عابرة جاءت استجابة لمتطلبات مرحلة محددة في ظرف محدد".
وأشار في ذات السياق إلى أن" بيونغ يانغ لديها أيضاً رغبة في تحسين علاقاتها ببكين لإنعاش اقتصادها المتدهور، إلى جانب التطلع لتخفيف الاعتماد المفرط على الحليف الروسي في التعاون الثنائي والتبادلات العسكرية".
يشار أن الصين تمثل أكثر من 90 % من إجمالي تجارة كوريا الشمالية الخارجية، إذ توفر السلع الاستهلاكية الأساسية والأسمدة والمساعدات الغذائية.
كما تعد الصين أكبر مصدر للسياح إلى كوريا الشمالية، لكن منذ جائحة كورونا التي اجتاحت العالم قبل سنوات قليلة، توقفت التبادلات بين البلدين على المستوى السياحي، كما تقلّص حجم التبادل التجاري إلى الحد الأدنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك