تتمدّد مشاريع الاحتلال الإسرائيلي في أراضي الضفة الغربية مثل السرطان، فتواجه مناطق عديدة نمطاً متسارعاً من السلب الديمغرافي، تحت مسمّى" الاستيطان السياحي والرعوي"، أسلوب استيطاني إحلالي يتّخذ من" حماية التراث والآثار والبيئة الطبيعية" ذريعة لسرقة الأرض وتزوير التاريخ، محوّلاً ما تبقّى من فضاء طبيعي متاح للفلسطينيين إلى معازل محاصرة بالكتل الإسمنتية وأبراج المراقبة العسكرية ونقاط التفتيش التي تقيّد حركتهم اليومية.
وما تتعرّض له منطقة بِرك سليمان الأثرية (في قرية إرطاس جنوبي بيت لحم) أحدث الشواهد.
فاقتحامات الأسبوع الماضي التي قادها وزير المالية الإسرائيلي، المتطرّف بتسلئيل سموتريتش، يرافقه مسؤولون وأعضاء كنيست تعمّدوا أن يستفزوا مشاعر الفلسطينيين بالسباحة في مياه البِرك، كانت خطوة مدروسة، أعلن خلالها سموتريتش صراحة أنّ سيطرة الفلسطينيين على هذا النظام المائي التاريخي غير مقبولة، متعهّداً بتغيير هذا الواقع قريباً، متجاوزاً، بخلاف حقائق التاريخ، حقيقة أنّ الموقع قانونياً يقع ضمن مناطق (أ) الخاضعة للسيادة الفلسطينية الكاملة.
جاءت التحرّكات الإسرائيلية عقب مصادقة حكومة الاحتلال (مايو/ أيار 2026) على مشروع إنشاء" هيئة تراث يهودا والسامرة"، ومنحها صلاحيات واسعة تتعلّق بإدارة المواقع الأثرية في الضفة الغربية، ما يعني انتقالاً من الإدارة العسكرية المؤقّتة إلى تكريس إدارة سيادية مدنية إسرائيلية على المواقع الأثرية في الضفة.
وتأتي خطوة سموتريتش حلقة في سلسلة اقتحامات متدرّجة تحوّلت إلى مسارات رحلات تعليمية منظّمة تموّلها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وتهدف إلى فرض سردية الاحتلال الأيديولوجية التي تدّعي يهودية المكان، على الرغم من أنّ الدراسات العلمية تنفي ذلك لتؤكّد أن تاريخ البرك يعود إلى أكثر من ألفي عام، تعاقبت عليها حضارات متعددة منذ العهد الكنعاني مروراً بالروماني والمملوكي والعثماني.
وتتكوّن البِرك من ثلاثة خزّانات مائية، رمّمها وطوّرها السلطان سليمان القانوني (ومن هنا اسمها لا نسبة إلى النبي سليمان) لجمع مياه الأمطار والينابيع ونقلها لتغذية مدينة القدس والمسجد الأقصى، وبنى قلعة لحمايتها (قلعة مراد).
يتكامل التزييف الميداني مع طريق استيطاني يربط البرك مباشرة بمستوطنة" إفرات" ومجمّع" غوش عتصيون" تمهيداً لضمّها ضمن مخطّط" القدس الكُبرى".
أمّا في الجهة الشرقية من مدينة بيت ساحور (مدينة الرعاة)، فيتجلّى السلب البيئي فوق قمّة تلّة عشّ غراب التي حوّلها الأهالي في عام 2006، عقب إخلاء معسكر جيش الاحتلال (" شديما" ) الجاثم فوق صدورهم منذ احتلال عام 1967، إلى متنزّه طبيعي للعموم، وخطّطوا لبناء مستشفى للأطفال، لكن المستوطنين اقتحموا التلّة في نهاية عام 2025 ونصبوا كرفاناتهم معلنين ولادة بؤرة" يتسيف".
لم تتأخّر شرعنة هذه البؤرة رسمياً، فأصدر جيش الاحتلال، في مارس/ آذار الماضي، أمراً عسكرياً رقم 783، الخاصّ بالمجالس الإقليمية، ولم يكتفِ القرار بمساحة المعسكر القديم (20 دونماً)، فالتهم 116.
3 دونماً من أراضي المواطنين الخاصّة، وأجزاءً حيوية من متنزه البلدية، لمصلحة 13 عائلة استيطانية هي نواة التجمّع.
تكمن خطورة بؤرة" يتسيف" في أنّها حلقة وصل استراتيجية تربط مستوطنات القدس الشرقية مثل" هار حوما" بريف بيت لحم الشرقي، فتحاصر بيت ساحور من جهتها الشرقية، المنفذ العمراني الوحيد المتبقّي للمدينة التي تعاني أساساً كثافة سكّانية خانقة، وضيقاً في المساحات المتاحة للبناء، بسبب جدار الفصل العنصري والمستوطنات المحيطة بها.
ويتمدّد هذا الطوق ليصبح كابوساً أمنياً يومياً للأهالي.
ففي منطقة خلّة اللوزة، أقام المستوطنون بؤرة رعوية (خيمة ومواشي) ملاصقة للمنازل، وعاثوا في الأرض فساداً؛ حرقاً للأشجار وإطلاقاً للرصاص، ما دفع عائلات إلى النزوح قسراً نحو منطقة العبايات يلاحقهم رعب المستوطنين.
قد تسهل مواجهة العدوانية الفجّة للمستعمرات السكنية دولياً وقانونياً، لكنّ الاستيطان السياحي يتسلّل بغطاء" القوة الناعمة"، مستغلّاً المواقع التاريخية لإعادة صياغة هُويّة المكان، وتزوير روايته التاريخية، خدمة لرواية أيديولوجيا الاحتلال، فيقضم مساحاتٍ شاسعة من الأراضي المحيطة بتلك المعالم بذريعة" المرافق الترفيهية" و" التطوير"، ما يخلق تمدّداً جغرافياً يربط الكتل الاستيطانية، ويُشرعن وجودها أمام العالم، بوصفها أنشطة ثقافية وسياحية مفتوحة، مع أنّ جوهرها أداة طرد صامتة تعزل أصحاب الأرض الأصليّين، وتنزع من التاريخ حقائقه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك