دخلت المواجهة بين إيران وإسرائيل مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت ساحة الصراع إلى سباق محموم لفرض التفوق العسكري وانتزاع زمام المبادرة، في واحدة من أعنف جولات الاشتباك المباشر بين الطرفين منذ اندلاع الأزمة.
ففي مشهد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، تبادل الجانبان الضربات بوتيرة غير مسبوقة، بينما سعى كل طرف إلى إثبات قدرته على فرض قواعد اشتباك جديدة وإرباك خطط خصمه قبل الوصول إلى مرحلة الحسم الميداني.
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العقيد الركن نضال أبو زيد أن طهران غيّرت عقيدتها العملياتية بشكل لافت، متجاوزة سياسة الرد التدريجي التي اتبعتها سابقاً، لتنتقل إلى استراتيجية الرد السريع والمباشر، عبر إطلاق موجات متلاحقة من الصواريخ خلال فترة زمنية قصيرة، في محاولة واضحة لمنع إسرائيل من احتكار المبادرة العسكرية.
وبحسب أبو زيد، فإن ما يجري يندرج ضمن معادلة عسكرية معروفة تقوم على مبدأ “الضربة مقابل الضربة”، حيث يسعى كل طرف إلى المحافظة على زخم الهجوم وإبقاء خصمه في موقع رد الفعل، لأن السيطرة على إيقاع المعركة تعني امتلاك فرصة أكبر لترجمة المكاسب العسكرية إلى نتائج استراتيجية.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل تنفيذ ما يُعرف عسكرياً بعمليات “التجريد”، عبر استهداف البنية الدفاعية الإيرانية ومنظومات الحماية الجوية والمنشآت اللوجستية المرتبطة ببرنامج الصواريخ، في محاولة لتقويض قدرة طهران على الصمود وفتح الطريق أمام مراحل أكثر حساسية من العمليات العسكرية.
ويشير التحليل العسكري إلى أن الضربات الإسرائيلية الحالية لا تستهدف الأهداف النهائية بقدر ما تمهد للوصول إليها، إذ تركز على تفكيك طبقات الحماية وفتح ممرات جوية تسمح للطائرات الإسرائيلية بالتوغل نحو العمق الإيراني، حيث تتمركز منظومات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي تشكل العمود الفقري لقدرات الردع الإيرانية.
ورغم إعلان طهران وقف عملياتها العسكرية مؤقتاً، فإن مؤشرات الميدان لا توحي بانتهاء المواجهة، بل تكشف عن هدنة تكتيكية قد تسبق جولة أكثر شراسة.
فالأهداف الاستراتيجية للطرفين ما زالت قائمة، والقدرات العسكرية لم تستنزف بعد، فيما تبقى المنطقة بأسرها معلقة على حافة مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.
وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تبدو المعركة أبعد من مجرد تبادل للصواريخ والغارات؛ إنها حرب إرادات ونفوذ، يحاول فيها كل طرف فرض صورته كقوة قادرة على كسر خصمه وانتزاع اليد العليا في أخطر صراع تشهده المنطقة منذ سنوات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك