بعدما طردته بلدته الفرنسية" ألينيي- أون- مورفان" بالأحذية واللعنات حين كان جائعاً ودون مأوى، ها هو الكاتب والشاعر الفرنسي المثير للجدل، جان جينيه، دفين مدينة العرائش المغربية، يعود إليها منتصراً ومحمولاً على الأكتاف، إذ يتشكل اليوم في تلك البلدة الهامشية مشروع سياحي أدبي يحمل اسم" جان جينيه"، في خطوة اعتبرها تحقيق أنجزته، قبل أيام، جريدة" لوموند" مصالحة متأخرة بين المكان وواحد من أكثر أبنائه التباساً وتمرّداً، خاصة أن جينيه ظل بنظرهم ذلك" المنحرف الفضائحي المنبوذ" القادم من مؤسسة للرعاية العمومية الذي يثير اسُمه حرجاً دفيناً لا يمكن ردّه.
فتنة بزعزعة النظام الأخلاقيلم يكن الكاتب الفرنسي سيمنح اسمه، إطلاقاً، لبلدة اعتبرها أهلها" المكان المثالي للأنقياء"، لأنه كان ابناً شرعياً للنبذ، إذ بنى أسطورته الأدبية من الهامش والسرقة والسجن والتيه والعار الاجتماعي، وظلّ حتى آخر رمق في حياته ابن الذين لا يعترف بهم أحد.
أمّا المكان الذي يميل إلى الإقامة فيه فهو ذلك الذي يحتضن" أكثر الأعراس العظيمة فجوراً" كما كتب في" يوميات لص".
لم يكن جينيه ابناً لأي مكان، إذ وصل إلى" ألينيي- أون- مورفان"، محمولاً من أمّ طاعنة في ضيق ذات اليد إلى بيت عائلة رينييه سنة 1911، وهناك، بين الحقول والطقوس الكاثوليكية ومواكب" عيد الجسد"، تشكلت حساسيته الأولى التي ستجعل من الريف المورفاني جرحاً أول تعلّم فيه العزلة والاختلاف والمهانة.
هناك في ذلك الهامش أصبح لصّاً وسجيناً وعاشقاً للمنبوذين والمجرمين، ومدافعاً شرساً عن الفلسطينيين والسود الأميركيين، ومفتوناً بكلّ ما يزعزع النظام الأخلاقي والاجتماعي لفرنسا.
يكتب في" يوميات لص": " حياتي كمتسول جعلتني أليفاً مع جلال المذلّة والبؤس، لأن الأمر يحتاج لكثير من الغرور والحب لتزيين هذه المخلوقات القذرة المحتقرة.
أستطيع القول إني روضت نفسي ببطء على اعتبار أن الحياة البائسة هي ضرورة مقصودة.
لم أحاول أن أجعل منها قط شيئاً آخر أكثر ممّا تعنيه لم أحاول أن أزيّفها أو أتستر عليها، بل على العكس أردتُ تأكيدها بكلّ دناءتها، وبدت لي ظواهرها القذرة علامات أُبّهة وجلال".
هكذا ظلّ جينيه يحقق انتقامه من جرحه الخاص في تلك البلدة.
فخرج منها هارباً نحو إسبانيا ثم إلى طنجة، وأقام في جرح آخر مفتوح داخل اللغة، وداخل مجتمع المهمّشين والمنبوذين.
ومن ثم، لم يكن يتحرك بمنطق التضامن التقليدي مع هؤلاء، بل بمنطق أعمق وأكثر ظلمة: انجذاب المنفي إلى المنفيّين.
لقد رأى في الفلسطينيين، على سبيل المثال، صورة أُخرى لأولئك المطرودين من التاريخ الرسمي، تماماً كما رأى سابقا في السود الأميركيين، وفي كلّ الحركات المتمردة.
روض نفسه على اعتبار ظواهر الحياة البائسة جليلة وضرورية لهكان جينيه يكره السلطة بكلّ أشكالها، ويرتاب في الأخلاق التي تنتجها الدول والجيوش والمؤسسات.
ومن هنا جاءت علاقته المعقدة بالحروب.
ففي عالمه الروائي، كما في مواقفه السياسية، لا توجد براءة كاملة ولا شرّ مطلق.
هناك دائماً أجساد مسحوقة وآلات ساحقة.
لذلك اعتبره جان بول سارتر جرحاً مفتوحاً غير قابل للترويض، وقوة تخريبية لا تزال تشعّ حتى الآن من خلال ما تركه من كتب، مثل" نوتردام الورود" و" يوميات لص" و" شعائر الجنازة" و" صراع بروست".
ولذلك كتب سارتر، في كتابه الشهير" القديس جينيه: الكوميدي والشهيد"، أن جينيه صنع نفسه من الإقصاء ذاته.
فهو منبوذ اجتماعي حوّل" العار" إلى تاج في مملكة المنبوذين.
لقد كان مؤلف" أسير عاشق" يخاطب جميع المشاغبين والعرافين بالكلمة، يكتب من الهامش ولأجل الهامش: هامش الأمكنة، هامش الأدب، هامش المجتمع، هامش الحياة.
وقد باركه روّاد عباقرة مثل جان كوكتو وجان بول سارتر وجورج باطاي، لإدراكهم الشديد أن جينيه كان يكتب براديكالية بعيداً عن الطهرانية المعاصرة والارتجافات الأخلاقية المزيفة.
كما أن المسافة التي حفرها عمداً بينه وبين المجتمع، بما في ذلك مجتمع الفن والثقافة، مسافة لا يمكن ردمها، إذ كان يطمح، دائماً، إلى الخزي والقطيعة والوصم، ويعمل عليها بوعي كامل.
داخل الأدب الفرنسي وخارجه" إنه يكتب من داخل نفيه على يد 'الناس المحترمين'، من داخل جرحه الذي كان يسهر عليه"، كما كتبت عنه هيلين سيكسوس في كتابها" صيانة الجرح".
يكتب ليصنع" ليتورجيا" الوحدة وعلاقات الهيمنة.
ألم يقل في" معجزة الوردة": " ذهبت إلى السرقة كما لو أنها خلاص، نحو الضوء".
أما تصوره للحرية فمصبوب في حبر" نوتردام الورود" حين يقول: " حرّ، أي منفيٌّ بين الأحياء".
اعتبره سارتر قوة حوّلت" العار" إلى تاج في مملكة المنبوذينلقد أسّس جينيه" لا اجتماعيته" الوجودية والأدبية على" لاهوت" مضاد للجريمة.
عالم سفلي شديد التراتبية يدير ظهره للعالم الرسمي.
ولهذا رفض بصفته مقصيّاً كلّ اندماج محتمل: فهو هارب دائم، مهنتُه" العود المتكرر إلى الجريمة".
وهذا ما تؤكده الناقدة الفرنسية إيمانويل لامبيرت التي ترى أن القطيعة الاجتماعية تشكل جوهر مشروع جينيه بأكمله.
أما ألبير ديشي، فيرى أن جينيه، رغم إعلانه الحرب على المجتمع، لم يكن مجرد معارض بسيط.
فالمعارضة في نظره تعيد إنتاج النظام نفسه، أما هو فقد فضّل الخيانة على المواجهة المباشرة.
ذلك أن الخائن يعمل من الداخل بأدوات" العدو": يفسد النظام ويحكمه وهو جزء منه.
ولهذا استطاع جينيه أن يكون داخل الأدب الفرنسي وخارجه في الوقت نفسه، لأنه كان يريد أن يُستقبل بوصفه غير قابل للاستقبال على الإطلاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك