لم يعد امتلاك النقود الورقية في قطاع غزة ميزة كما كان الحال قبل أشهر قليلة، بل تحول بالنسبة لكثير من المواطنين إلى عبء يومي يرافقهم في عمليات البيع والشراء.
ففي وقت كانت فيه السيولة النقدية" الكاش" السلعة الأكثر طلباً في الأسواق وأداة يضطر الناس لدفع عمولات مرتفعة للحصول عليها، يشهد القطاع اليوم تحولاً لافتاً باتجاه الدفع الإلكتروني، حتى أصبح الكاش غير مرغوب به لدى شريحة واسعة من التجار والباعة.
ويواجه السكان الذين يتقاضون رواتبهم نقداً صعوبات متزايدة في استخدام أموالهم لتلبية احتياجاتهم اليومية، إذ يرفض العديد من الباعة التعامل بالكاش، فيما يشترط آخرون استخدام الورقة النقدية كاملة دون إعادة الباقي بسبب أزمة" الفكة" وتكدس العملات الورقية غير المرغوب بها.
ويأتي هذا التحول في ظل تغيرات متسارعة شهدها السوق الغزي خلال الأشهر الأخيرة، جعلت الدفع الإلكتروني الخيار المفضل لدى كثير من التجار والمستهلكين على حد سواء.
بدوره، يقول الفلسطيني هاني معروف، الذي يتلقى راتبه نقداً، إنه بات يواجه معاناة يومية في تصريف أمواله داخل الأسواق، موضحاً أن كثيراً من الباعة يرفضون التعامل بالكاش بشكل كامل أو يفضّلون الحصول على المدفوعات إلكترونياً لتجنب المشكلات المرتبطة بالنقود الورقية.
ويضيف معروف لـ" العربي الجديد": " بعض الباعة الذين يقبلون الكاش يضعون شروطاً معقدة أمام المشترين، أبرزها عدم القدرة على إعادة المبلغ المتبقي من عملية الشراء بسبب نقص العملات الصغيرة وعدم توفر الفكة، الأمر الذي يضع المستهلك أمام خيارات محدودة عند التسوق".
ويؤكد أنه في كثير من الأحيان يضطر لشراء سلع إضافية لا يحتاجها فقط لأنه يحمل ورقة نقدية من فئة كبيرة ولا يستطيع استرداد باقي المبلغ، " هذا الأمر يستنزف راتبي بسرعة ويزيد الأعباء المالية على أسرتي، خاصة في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وتراجع القدرة الشرائية".
وفي سوق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يؤكد بائع الخضروات خالد بارود أن التعامل بالنقود الورقية أصبح أكثر تعقيداً مقارنة بالفترة الماضية، مشيراً إلى أن غالبية التجار باتوا يفضّلون المدفوعات الإلكترونية على التعاملات النقدية.
ويقول بارود لـ" العربي الجديد" إن من يقبل الكاش حالياً يضع شروطاً صارمة تتعلق بحالة الأوراق النقدية، إذ يشترط كثير من التجار أن تكون الأوراق سليمة بالكامل وخالية من أي تمزق أو تلف كما يفضلون على وجه الخصوص الأوراق النقدية من فئة 200 شيكل ذات اللون الأزرق.
ويلفت إلى أن الدفع الإلكتروني أصبح الخيار الأسهل والأكثر مرونة بالنسبة للباعة، موضحاً أن التجار يستطيعون من خلاله تسوية معاملاتهم التجارية من دون الدخول في خلافات حول جودة الأوراق النقدية أو صعوبة تصريفها.
ويقول: " نحن نتعامل مع السوق وفقاً لما يطلبه التجار الكبار ولا يمكننا قبول عملات يرفضون التعامل بها لأنها ستبقى في أيدينا وتعيق عملياتنا التجارية وتحدّ من قدرتنا على شراء بضائع جديدة".
بائع الذهب في سوق مخيم الشاطئ محمود الغرباوي، يذكر أن سوق الذهب يعد من أكثر القطاعات التي تعكس التحولات التي يشهدها القطاع المالي في غزة، موضحاً أن التعامل بالنقد كان يحظى بأفضلية واضحة خلال الفترة الماضية.
ويقول الغرباوي لـ" العربي الجديد" إن تجّار الذهب كانوا يقبلون سابقاً الأوراق النقدية من فئتي 100 و200 شيكل، شريطة أن تكون سليمة وغير تالفة، كما كان سعر الذهب للمشتري الذي يدفع نقداً أفضل من السعر المخصص للدفع الإلكتروني.
ويضيف: " المشهد تبدل بصورة كبيرة خلال الأسابيع الأخيرة، إذ لم يعد هناك فرق يذكر بين سعر الشراء بالكاش وسعر الشراء الإلكتروني، بل إن بعض التجار أصبحوا يفضلون المدفوعات الإلكترونية بسبب تكدس النقود الورقية وصعوبة إعادة ضخها في السوق".
ويشير إلى أنه في أوقات سابقة كان الفارق في سعر غرام الذهب يصل إلى عشرة دنانير أو أكثر لصالح الدفع النقدي، أما اليوم فلا يوجد فرق تقريباً، " وربما نشهد خلال الفترة المقبلة فروقات سعرية لصالح الدفع الإلكتروني لأن السوق يتحول بسرعة كبيرة نحو هذا النوع من المعاملات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك