جميعنا مررنا بمواقف نسيان عابرة؛ فقد تصعد الدرج ثم تتساءل عن سبب صعودك، أو تنسى اسم شخص تعرفه جيدًا أثناء تقديمه للآخرين، وربما تقضي وقتًا طويلًا في البحث عن مفاتيح سيارتك لتكتشف لاحقًا أنها في مكان غير متوقع.
ورغم أن هذه المواقف قد تثير القلق لدى البعض، فإن خبراء الأعصاب يؤكدون أن جزءًا كبيرًا منها يُعدّ طبيعيًا مع التقدم في العمر، ولا يعني بالضرورة وجود مشكلة صحية خطيرة.
لكن السؤال الأهم يبقى: متى يتحول النسيان الطبيعي إلى مؤشر يستدعي الانتباه؟تراجع الذاكرة مع التقدم في العمر.
ظاهرة طبيعيةيقول عالم الأعصاب الإدراكي أولمان ليندنبرغر، مدير معهد ماكس بلانك للتنمية البشرية في برلين، إن تراجع ما يُعرف بـ" الذاكرة العرضية" يُعد جزءًا طبيعيًا من الشيخوخة الإدراكية.
وتشمل الذاكرة العرضية القدرة على تذكر الأحداث وما حدث فيها ومكان وقوعها وتوقيتها.
وبحسب ليندنبرغر، يبدأ هذا النوع من التراجع عادة في الظهور خلال العقد السادس من العمر، ويؤثر تدريجيًا على مراحل تكوين الذكريات وتخزينها واسترجاعها.
ويرتبط هذا التراجع بتغيرات طبيعية تحدث داخل الدماغ مع مرور الوقت.
فقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت عام 2025 وشملت أكثر من 3700 شخص يتمتعون بصحة إدراكية جيدة، أن ضعف الذاكرة المرتبط بالعمر يرتبط بتراجع كفاءة الاتصالات بين مناطق الدماغ المختلفة.
كما أوضحت الدراسة أن هذا التراجع يرتبط بتدهور تدريجي في الغلاف الدهني المحيط بالخلايا العصبية، إضافة إلى انكماش منطقة" الحُصين" المسؤولة عن تكوين الذكريات الجديدة.
ويؤكد الباحثون أن هذه التغيرات تُعد جزءًا طبيعيًا من عملية التقدم في العمر، إذ تصبح الآليات الدماغية المسؤولة عن إنشاء الروابط الجديدة واسترجاعها أقل كفاءة مع الزمن.
في كثير من الأحيان، لا يكون النسيان ناتجًا عن ضعف الذاكرة نفسها، بل عن ضعف الانتباه أثناء حدوث الموقف.
فعندما يكون الشخص مشتتًا أو متوترًا أثناء وضع أغراضه في مكان معين، قد لا يسجل الدماغ هذه المعلومة بشكل صحيح منذ البداية، ما يجعل استرجاعها لاحقًا أكثر صعوبة.
ولهذا السبب، قد تبدو بعض حالات النسيان اليومية أكثر ارتباطًا بالتوتر والإرهاق الذهني من ارتباطها بتدهور الذاكرة.
متى يصبح النسيان مدعاة للقلق؟يرى أطباء الأعصاب أن القلق يبدأ عندما يتحول النسيان من حالات متفرقة إلى نمط متكرر يؤثر على الحياة اليومية.
ويشير طبيب الأعصاب رونالد بيترسن إلى أن فقدان المعلومات المهمة، مثل نسيان المواعيد أو الالتزامات المتكررة، قد يكون علامة تستحق المتابعة الطبية، خصوصًا إذا أصبح الأمر ملحوظًا من قبل المحيطين بالشخص.
كما يُعد تكرار الأسئلة أو إعادة سرد القصة نفسها عدة مرات دون إدراك من الشخص من المؤشرات التي تستدعي الانتباه، خاصة إذا تكررت بصورة متقاربة ومتزايدة.
لماذا يُعد تكرار الأسئلة علامة مهمة؟في المراحل المبكرة من بعض اضطرابات الإدراك، مثل مرض الزهايمر، تتأثر مناطق الدماغ المسؤولة عن تكوين الذكريات الجديدة قبل تأثر الذكريات القديمة.
لذلك قد يتمكن الشخص من تذكر أحداث وقعت قبل سنوات طويلة، لكنه يواجه صعوبة في الاحتفاظ بمعلومة أو محادثة حدثت قبل ساعات قليلة فقط.
وعندما يطرح السؤال نفسه عدة مرات خلال فترة قصيرة، فقد يكون السبب أن الدماغ لم ينجح أصلًا في تكوين ذكرى مستقرة للسؤال الأول.
عوامل أخرى قد تؤثر في الذاكرة مؤقتًايشدد الخبراء على ضرورة عدم التسرع في ربط أي مشكلة في الذاكرة بالخرف أو الزهايمر، لأن هناك عوامل عديدة قد تؤثر مؤقتًا على الأداء الإدراكي، من بينها:التغيرات الهرمونية مثل انقطاع الطمث.
وقد تؤدي هذه العوامل إلى ضعف مؤقت في التركيز والانتباه، ما ينعكس مباشرة على القدرة على التذكر.
القلق المفرط من الخرف قد يزيد المشكلةتشير دراسات حديثة إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في حالة قلق دائم بشأن الإصابة بالخرف يميلون إلى تفسير أي هفوة بسيطة في الذاكرة على أنها علامة مبكرة على المرض.
ويؤكد الباحثون أن هذا النوع من القلق قد يؤثر سلبًا على الصحة النفسية وجودة الحياة، لذلك من المهم تقييم الأعراض بشكل موضوعي وعدم المبالغة في تفسير الأخطاء اليومية البسيطة.
يبقى النسيان العرضي جزءًا طبيعيًا من التقدم في العمر لدى معظم الأشخاص، خاصة عندما لا يؤثر في الأنشطة اليومية أو القدرة على أداء المهام المعتادة.
لكن عندما يصبح فقدان الذاكرة سريعًا أو متكررًا أو يبدأ بالتأثير على الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، فإن استشارة الطبيب تصبح خطوة مهمة لتقييم الحالة وتحديد أسبابها بدقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك