تقوم التجربة التي يقدمها المصور المصري الفرنسي يوسف نبيل في معرضه المقام حالياً، ويتواصل حتى 13 سبتمبر/ أيلول المقبل، في متحف أورسي في باريس، على مقاربة مراحل من مسيرته مع اللوحات التي شاهدها في أوقات سابقة، وتركت أثرها في مخيلته، وقادته إلى اكتشاف أسلوبه الفني، القائم على التقاط الصور بالأبيض والأسود، ثم تلوينها يدوياً، بما يجعلها قريبة من الصور التي كانت تستوقفه في استوديوهات الفوتوغراف الكلاسيكية في القاهرة.
ويعيد المعرض، الذي يحمل عنوان" أن نحلم مرة أخرى"، طرح الأسئلة حول العلاقة بين اللوحة الاستشراقية، بوصفها مادة فنية، والفوتوغراف الملوّن على طريقة قدامى المصورين.
ففي كلا النتاجين عودة إلى الماضي، غير أن تأويل هذه العودة يبتعد هنا عن" الكليشيه" المعتاد عند تناول الاستشراق، باعتباره مدخلاً للاستعمار، ليتأمل بدلاً من ذلك في المشهدية، ويستغرق في خيالات باقية من الماضي، تُستعاد هنا كحلم.
وهذا ما تقود إليه صور أساسيّة في تجربة نبيل، مثل" الحلم: صورة ذاتية" (2021)، المنجزة وفق أسلوب الطباعة الجيلاتينية الفضية الملوّنة يدوياً، وكذلك" صورة ذاتية مع جذور" (2008)، التي يظهر فيها نائماً داخل جوف شجرة.
يتنقل المعرض في مسار زمني يتقاطع فيه الشخصي مع التاريخي، متتبعاً رحلة يوسف نبيل عبر خمس محطات رئيسية تتداخل في ما بينها أكثر مما تنفصل.
يبدأ المسار من القرن التاسع عشر، عبر مجموعة من الصور الفوتوغرافية والوثائق المرتبطة بالرحلات الأوروبية إلى مصر، حيث يميز المعرض بين الشرق بوصفه فضاءً معيشاً، والاستشراق بوصفه تمثيلاً فنياً له، قبل أن ينتقل إلى العالم الذي تشكل فيه الفنان نفسه.
ومن هذا المدخل، تتكشف مراحل تكوين يوسف نبيل، وصولاً إلى زيارته الأولى لمتحف أورسي عام 1992.
ويتسع المعرض، في قاعاته الأخيرة، لأسئلة الهوية والانتماء، حيث تظهر تجربة نبيل بوصفها حركة دائمة بين ضفتي المتوسط، تستعير رموزاً من الشرق والغرب، وتعيد تركيبها داخل عالم بصري واحد.
أما الخاتمة فتأتي عبر عملين مصورين يذكّران بأن السينما ظلت حاضرة في مشروعه الفني، بوصفها مصدراً للخيال وامتداداً لبحثه الطويل في الذاكرة والحلم.
تظهر تجربة نبيل بوصفها حركة دائمة بين ضفتي المتوسطيعود نبيل في صوره إلى تاريخ القاهرة والصور الراسخة في الذاكرة عنها، ولا سيما في الأزمنة الحديثة، حين تلاقت الحاضرة الشرقية ثقافياً مع الفنون التي حملها إليها المستشرقون، وصارت هي ذاتها مادة للرسم والتصوير.
وبحسب سيرته الذاتية، شكّل متحف أورسي أول لقاء له مع فنون الغرب عام 1992، حين تعرّف، عبر الأعمال المعروضة فيه، إلى فنانين تركوا أثراً في مخيلته البصرية، مثل وجهي المذهب الرمزي بيير بوفيس دي شافان وأوديلون ريدون.
ومن هنا بدأت ملامح لغة خاصة تتشكل بين الحلم والصورة والذاكرة، يعيد تقديمها في معرضه داخل قاعات الاستشراق التي لم تُفتح سابقاً، إلا لتقديم أعمال فنانين راحلين.
وكان نبيل قد تنقّل بين القاهرة وباريس ونيويورك، وتركّز اهتمامه حول فكرة العيش بين عوالم متعددة، واستعادة الأمكنة التي يغادرها الإنسان من دون أن تغادره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك