فعلى مدار ما يقرب من نصف قرن، أسهم أديب في تشكيل الوجدان الفني للمشاهد العربي من خلال عشرات الأعمال التي تنوعت بين الدراما الاجتماعية والكوميديا والأفلام البوليسية والاستعراضية، حتى استحق لقب" شيخ كتاب السيناريو" وأصبح أحد أكثر المؤلفين تأثيرا في تاريخ السينما المصرية.
ولد عبدالحي مصطفى أديب في مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية يوم 22 ديسمبر 1928، وعاش سنواته الأولى بين المحلة وطنطا قبل أن يستقر مجددا في مسقط رأسه.
تلقى تعليمه في عدد من المدارس بالمحافظتين، ثم التحق بمدرسة المحلة الصناعية التي تخرج فيها عام 1949، وعمل بعدها في مصانع النسيج.
ورغم ابتعاده في البداية عن المجال الفني، فإن شغفه بالأدب والمسرح دفعه إلى الانتقال إلى القاهرة، حيث التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرج في قسم الأدب المسرحي عام 1956.
وخلال سنوات الدراسة عمل عبدالحي أديب مساعد مخرج مع عدد من كبار السينمائيين، وهي التجربة التي صقلت موهبته ومنحته معرفة عملية بعالم السينما من الداخل.
بدأ رحلته الحقيقية مع كتابة السيناريو في ذروة العصر الذهبي للسينما المصرية، وكانت نقطة التحول الكبرى عام 1958 عندما قدم أول أعماله السينمائية، وفي مقدمتها فيلم" باب الحديد" للمخرج يوسف شاهين، إلى جانب فيلمي" سلطان" و" امرأة على الطريق".
وشكلت هذه الأعمال الثلاثة انطلاقة استثنائية لكاتب شاب استطاع أن يفرض اسمه سريعا على الساحة الفنية، حتى أصبح من أوائل كتاب السيناريو الذين نالوا شهرة تضاهي شهرة نجوم التمثيل والإخراج.
ويعد فيلم" باب الحديد" محطة فارقة في مسيرة عبدالحي أديب، إذ كان أول عمل يعرض له على الشاشة الكبيرة.
ورغم أن الفيلم لم يحقق النجاح الجماهيري المتوقع عند عرضه الأول، فإنه تحول مع مرور الزمن إلى أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما العربية، وأصبح نموذجا للدراسة في المعاهد السينمائية، كما حافظ على مكانه ضمن قوائم أفضل الأفلام المصرية على الإطلاق.
وكان أديب يرى أن الفيلم يمثل تجربة فنية مختلفة سبقت عصرها، وهو ما يفسر إعادة اكتشافه وتقديره نقديا بعد سنوات طويلة من إنتاجه.
ومع مرور السنوات تحول السيناريست الكبير عبدالحي أديب إلى أحد أهم الأقلام التي أسهمت في صناعة العصر الذهبي للسينما المصرية.
وتميز الراحل بقدرة نادرة على التنقل بين مختلف الألوان السينمائية دون أن يفقد بصمته الخاصة، فكتب الأفلام الاجتماعية التي عكست حياة الأسرة المصرية مثل" أم العروسة" عام 1963، والأفلام السياسية والاجتماعية مثل" البدرون" عام 1987، والكوميديا مثل" أخطر رجل في العالم" عام 1967، والأعمال البوليسية مثل" الخائنة" عام 1965 و" الطاووس" عام 1982، إلى جانب الأفلام الاستعراضية والفانتازية وأفلام الشباب.
كما قدم أعمالا بارزة من بينها صغيرة على الحب عام (1966)، الخبز المر (1982)، بيت القاضي (1984)، امرأة واحدة لا تكفي (1990)، استاكوزا (1996)، ومذكرات مراهقة (2001 )، وغيرها من الأفلام التي تناولت قضايا المجتمع المصري وتحولاته عبر عقود متتالية.
بعد تداعيات نكسة يونيو 1967 وما تبعها من تراجع في الإنتاج السينمائي داخل مصر، اتجه عبدالحي أديب إلى العمل خارج البلاد، فانتقل إلى لبنان لفترة امتدت عدة سنوات، ثم خاض تجربة الكتابة للسينما التركية، وشارك في عدد من الأعمال هناك.
ومثلت تلك المرحلة تحديا مهنيا مهما، إذ استطاع أن يواصل نشاطه الإبداعي خارج مصر، قبل أن يعود لاحقا ليستكمل مسيرته في السينما المصرية ويقدم عددا من أبرز أعماله.
حصد" شيخ كتاب السيناريو" العديد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرته الطويلة، من بينها جائزة أفضل سيناريو عن فيلم" سعد اليتيم" من مهرجان جمعية الفيلم، وجائزة أفضل سيناريو من المهرجان القومي للأفلام الروائية عن فيلم" ديسكو ديسكو".
كما وصل فيلم" أم العروسة" إلى مراحل متقدمة في المنافسة على جائزة الأوسكار للأفلام الأجنبية، وشارك فيلم" باب الحديد" في مهرجان برلين السينمائي الدولي، فيما اختيرت أربعة من أعماله ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية، وهي: " باب الحديد"، و" أم العروسة"، و" الخائنة"، و" صغيرة على الحب".
كان فيلم" ليلة البيبي دول" آخر ما كتبه الراحل، وأخرجه ابنه عادل أديب، وقد عرض بعد رحيله في مايو 2008، ليشكل الفصل الأخير في رحلة إبداعية امتدت لعقود طويلة، ويؤكد استمرار حضوره الفني حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
وفي 10 يونيو 2007 أسدل الستار على رحلة إبداعية امتدت لعقود، برحيل السيناريست الكبير عبدالحي أديب عن عمر ناهز 78 عاما في مدينة جنيف السويسرية، حيث كان يخضع للعلاج من مرض بالقلب، ونقل جثمانه إلى مصر، لتشيع جنازته وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية والثقافية وحضور واسع من محبيه وزملائه.
لم يكن عبدالحي أديب مجرد كاتب سيناريو ناجح، بل كان أحد البنائين الكبار للسينما المصرية الحديثة، فمن خلال مئات الشخصيات والحكايات التي كتبها، وثق تحولات المجتمع المصري ورصد أحلامه وهمومه بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك