رام الله/ قيس أبو سمرة/ الأناضول- رئيس مجلس قروي مردا صادق الخفش: الاحتلال صادر 4500 دونم من أصل 9500 دونم مساحة القرية لصالح مستوطنة" أريئيل"- المزارع جلال الخفش: الأرض بالنسبة لنا ليست مجرد مصدر رزق، بل تاريخ وهوية وكرامةعلى أطراف قرية مردا شمال محافظة سلفيت بالضفة الغربية، تواصل الجرافات الإسرائيلية اقتلاع أشجار زيتون يقول أصحابها إنها" أكبر عمرا من الاحتلال نفسه"، ضمن مشاريع استيطانية متسارعة يراها الأهالي تهدد ما تبقى من أراضيهم وتحول قريتهم إلى" سجن كبير".
وتقع القرية الفلسطينية الصغيرة في واد تعلوه مستوطنة" أريئيل" الإسرائيلية، إحدى أكبر المستوطنات المقامة في شمال الضفة، والتي توسعت على مدى العقود الماضية على حساب أراضي القرى المجاورة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت المنطقة المحيطة بالقرية أعمال تجريف واسعة واقتلاع مئات أشجار الزيتون لصالح مشروع توسعة طريق استيطاني يعرف باسم" عابر السامرة"، ما أثار مخاوف الأهالي من خسارة المزيد من الأراضي الزراعية وتقييد وصولهم إليها.
ويقول رئيس مجلس قروي مردا صادق الخفش للأناضول إن القرية تتعرض منذ سنوات لعمليات مصادرة متواصلة، إلا أن ما يجري حاليا" يمثل مرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني".
ويضيف: " مردا تتعرض لهجمة شرسة من التجريف والاستيطان، حيث تُقتلع الأشجار وتُجرف الأراضي بشكل متواصل، بالتزامن مع حصار وإغلاقات مشددة على مداخل القرية".
ويوضح أن القوات الإسرائيلية تغلق المدخل الغربي للقرية بصورة شبه دائمة، بينما تفرض قيودا على الحركة عبر المدخل الشرقي، ما يجعل تنقل السكان أكثر صعوبة.
وتبلغ مساحة أراضي القرية نحو 9 آلاف و500 دونم، صودر منها قرابة 4 آلاف و500 دونم لصالح مستوطنة" أريئيل"، إضافة إلى نحو 700 دونم لشق طريق" عابر السامرة"، وفق الخفش.
ويشير إلى أن مصادرة الأراضي تتواصل من الجهة الجنوبية لصالح توسعة المستوطنة، ومن الجهة الشمالية لصالح توسعة الشارع الالتفافي، وكل ذلك على حساب الأراضي الزراعية للفلسطينيين.
وبحسب الخفش، فإن نحو ثلثي أراضي القرية باتت مصادرة أو واقعة ضمن مساحات مخصصة للمستوطنات والطرق الالتفافية والبنية التحتية المرتبطة بها، " الأمر الذي حرم المزارعين من أجزاء واسعة من أراضيهم وضيق الخناق على السكان".
كما لا تتجاوز المساحة العمرانية المتاحة حاليا لسكان القرية نحو 700 دونم فقط، فيما تمنع السلطات الإسرائيلية أي توسع عمراني خارج هذه المساحة بدعوى وقوع الأراضي في المناطق المصنفة" ج".
ويصف الخفش القرية بأنها باتت أشبه بـ" سجن كبير"، موضحا أن إغلاق المداخل يحول دون الوصول السهل إلى القرى والمدن المجاورة.
ويتابع قائلا: " عندما يغلق الاحتلال المدخلين الشرقي والغربي، تصبح القرية معزولة بالكامل، ولا يبقى أمام السكان أي منفذ للحركة".
ولا تقتصر تداعيات المشروع على مصادرة الأراضي فحسب، بل تمتد إلى اقتلاع أشجار الزيتون التي تشكل مصدر رزق رئيسي لعشرات العائلات في القرية، وفق الخفش.
وفي إحدى الأراضي المحاذية لأعمال التجريف، يقف المزارع جلال الخفش متأملا ما تبقى من أشجار الزيتون التي نجا بعضها من الجرافات.
ويقول للأناضول إن معاناة المزارعين في مردا تتفاقم عاما بعد عام بسبب الاستيطان والطرق الالتفافية والجدار والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي.
ويتابع الخفش: " كل قطعة أرض أصبحت محاطة بجدار أو شارع أو مستوطنة.
الوصول إلى الأرض أصبح مهمة شاقة جدا".
وتأثر نحو 15 دونما من أراضيه مباشرة بالمشروع الجاري تنفيذه، بينها مساحات مزروعة بأشجار الزيتون.
ويؤكد الخفش أن أكثر من 120 شجرة زيتون اقتُلعت في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن أشجار الزيتون" أكبر عمرا من الاحتلال نفسه، ومع ذلك تُقتلع في ساعات قليلة تحت حماية الجيش".
كما يلفت إلى أن المزارعين باتوا يواجهون صعوبات متزايدة للوصول إلى أراضيهم نتيجة إحاطتها بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجدار.
ويستذكر قائلا: " في الماضي كنا نصل إلى أراضينا بسهولة، أما اليوم فأصبحت محاصرة من كل الجهات، وبعض المزارعين يحتاجون إلى ساعات للوصول إلى أراضيهم إن سُمح لهم بذلك أصلا".
ويضيف: " هم يقتلعون الأشجار ونحن نزرع غيرها.
هذه الأرض بالنسبة لنا ليست مجرد مصدر رزق، بل تاريخ وهوية وكرامة".
وتأتي أعمال التجريف في مردا في وقت تتسارع فيه مشاريع البنية التحتية الاستيطانية في الضفة الغربية.
وفي مايو/ أيار الماضي، صدقت الحكومة الإسرائيلية على تخصيص أكثر من مليار شيكل (نحو 270 مليون دولار) لشق طرق استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة.
ووفقا لما أوردته صحيفة" هآرتس" الإسرائيلية، تهدف هذه المشاريع إلى تعزيز الربط بين المستوطنات وتطوير البنية التحتية الخاصة بها، بما يسمح بتوسيعها واستيعاب مزيد من المستوطنين.
ويقول الفلسطينيون إن هذه الطرق لا تخدم فقط حركة المستوطنين، بل تؤدي أيضا إلى مصادرة المزيد من الأراضي الزراعية وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض.
وبينما تتواصل أعمال الحفر واقتلاع الأشجار على أطراف القرية، يراقب الأهالي المشهد بقلق، وهم يرون المساحات الزراعية التي ارتبطت بذاكرتهم ومصدر رزقهم تتقلص عاما بعد آخر، في وقت تزداد فيه القيود المفروضة على حياتهم اليومية وحركتهم داخل واحدة من أكثر مناطق الضفة الغربية تعرضا للتوسع الاستيطاني.
وتشهد الضفة الغربية تصعيدا في اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية، تشمل إحراق الممتلكات والاعتداء على المواطنين وتخريب وهدم منشآت وتجريف أراض زراعية ومنع المزارعين من الوصول إليها، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ويقيم نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي في 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية بالضفة الغربية، بينهم 250 ألفا في 15 مستوطنة بالقدس الشرقية، ويرتكبون اعتداءات يومية بحق الفلسطينيين بهدف تهجيرهم قسرا.
وخلال مايو/ أيار الماضي، ارتكب الجيش الإسرائيلي 1108 اعتداءات بحق فلسطينيين وممتلكاتهم، فيما ارتكب المستوطنون 551 اعتداء، وفقا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
وقتل الجيش والمستوطنون منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ما لا يقل عن 1169 فلسطينيا، وأصابوا 12 ألفا و666، إضافة إلى اعتقال نحو 23 ألفا وتهجير 33 ألفا، حسب معطيات رسمية فلسطينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك