في مشروعٍ فني يمتد منذ أكثر من نصف قرن، تكرّس الفنانة اليابانية فوجيكو ناكايا تجربةً فريدةً في تاريخ الفن المعاصر، تقوم على تحويل الظواهر الجوية إلى مادةٍ نحتيةٍ قابلةٍ للتشكيل والإدراك الحسي.
في عملها التركيبي (منحوتة ضباب: السحابة #07156)، المعروض في القاعة الدائرية داخل بورصة التجارة في باريس ضمن معرض" الضوء والظل" الممتد إلى غاية 24 أغسطس/آب 2026 تحت إشراف" مجموعة بينو" Pinault Collection، يتجسد هذا المشروع استمراراً مباشراً لمنهجها القائم على تفكيك حدود النحت التقليدي وإعادة تعريفه عبر الزمن والمادة غير المستقرة.
تقوم ممارسة فوجيكو ناكايا على تصورٍ فنيٍّ تشكّل منذ ستينيات القرن الماضي، حين ابتعدت عن الرسم بوصفه وسيطاً ثابتاً، متجهة نحو البحث في الطبيعة باعتبارها بنية ديناميكية قابلة لإعادة الإنتاج داخل الفضاء الفني.
هذا التحول قادها إلى تطوير مفهوم" منحوتات الضباب"، حيث لا تستخدم المادة الصلبة في بناء الشكل، وتستبدلها بظاهرة طبيعية تُعاد هندستها عبر نظامٍ تقني يعتمد على مضخاتٍ عالية الضغط وفوهات دقيقة تطلق جزيئات ماء متناهية الصغر، فتتشكل سحب كثيفة تتغير باستمرار وفق حركة الهواء والرطوبة وتفاعل المكان، ما يجعل العمل الفني غير قابلٍ للتثبيت وقائماً على التحول الزمني المستمر.
يتعمق هذا التصور في تجربة مفصلية تعود إلى عام 1969، حين تعاونت ناكايا مع المهندس توماس مي لتطوير نظام قادر على إنتاج سحابة فنية من بخار الماء، قبل أن يتحقق أول تطبيقٍ واسع لهذا المفهوم في معرض أوساكا العالمي (Expo ‘70 Osaka) داخل جناح بيبسي، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحول في فهم النحت بوصفه تجربة تقوم على الكتلة وعلى الحالة والبيئة والزمن باعتبارها عناصر تشكيلية.
لا تستخدم المادة الصلبة في بناء الشكل، وتستبدلها بظاهرة طبيعية تُعاد هندستهافي هذا الإطار، يبدو العمل المعروض في باريس، ضمن سلسلة" النحت بالضباب"، امتداداً لهذا المسار الذي جعل من الضباب وسيطاً فنياً مستقلاً.
داخل القاعة الدائرية في بورصة التجارة، التي صمّمها المعماري تاداو أندو، تتفاعل هذه الرؤية مع بنيةٍ معمارية تقوم على أسطوانة مركزية تعلوها قبة بانورامية، ما يضاعف أثر التغير البصري الناتج عن انتشار الضباب داخل الفضاء.
هنا تتكوّن الصورة عبر طبقاتٍ من الظهور والانمحاء، حيث يتحول الإدراك إلى حركةٍ متواصلة داخل مادة غير مستقرة.
يندرج هذا العمل ضمن معرض" الضوء والظل"، الذي يعيد مساءلة ثنائية النور والعتمة في سياق معاصر، عبر إدخال الضباب باعتباره عنصراً وسيطاً يعيد تنظيم شروط الرؤية داخل الفضاء.
في هذا المستوى، لا يقتصر حضور العمل على إنتاج أثر بصري، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين المتلقي والمكان، بحيث يصبح الإدراك فعلاً زمنياً يتشكل داخل التجربة نفسها.
وترتبط تجربة ناكايا كذلك بانخراطها في ستينيات القرن الماضي ضمن منظمة" تجارب في الفن والتكنولوجيا" في نيويورك، حيث تبلورت مقاربة تجمع بين الفن والهندسة ضمن رؤية واحدة، مع وعي بيئي واضح يرفض أي تدخل كيميائي في صناعة الضباب، ويعتمد على الماء بوصفه مادة أصلية في التشكيل.
من خلال هذا المسار، يتجلى العمل التركيبي المعروض لفوجيكو ناكايا امتداداً حياً لمشروع فني يرى في الطبيعة مادة نحتية متغيرة، ويعيد تعريف حدود الفن باعتباره تجربة إدراكية وزمنية مفتوحة، تتشكل داخل الفضاء وتتحول معه بدل أن تُعرض خارجه كصورة مكتملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك