وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران كان دائما ترتيبا هشا، ولم يكن تسوية شاملة تقود مباشرة إلى سلام دائم.
فكلا الجانبين يحتفظ بقوات عسكرية كبيرة قابلة للتوظيف، وتعمل على مقربة من بعضها البعض، وتواصل القوات الأمريكية بالضرورة تسيير دورياتها ومهام المراقبة وغيرها من التكليفات والعمليات الأخرى.
هذا المسرح العملياتي الحساس لا يترك أي مجال لهفوة أو خطأ غير مقصود.
لذلك، لا يعد إسقاط القوات الإيرانية مروحية أمريكية من طراز أباتشي، والضربة الأمريكية التي أعقبت ذلك، أمرا مفاجئا.
تمثل هذه الأحداث النتيجة المؤسفة والمتوقعة لبيئة عملياتية حذرت منها أنا وغيري سابقا من أنها مهيأة لمثل هذا النوع من الحوادث الخطيرة.
أشرت في تحليل سابق إلى أن استمرار العمليات العسكرية من كلا الجانبين- على الرغم من وقف إطلاق النار- يخلق ظروفا ملائمة لوقوع حوادث وسوء تقدير من شأنها أن تجر الطرفين مجددا نحو صراع مفتوح ومتجدد.
تبقى القوات الأمريكية في حالة تأهب قصوى، حيث تراقب وتسيّر الدوريات، وتنفذ مهام حاسمة أخرى، وتفعل القوات الإيرانية الشيء ذاته.
تقع الحوادث عندما تعمل القوات المسلحة على مقربة من بعضها البعض في ظل هذه الظروف، وقد حانت تلك اللحظة الآن.
يعتمد مآل هذه المواجهة على القرارات التي تتخذ في هذه اللحظة في كل من واشنطن وطهران، ويبدو هامش سوء التقدير قليلا للغاية.
إن تحديد احتمالات دقيقة لأي مسار من مسارات الصراع ضرب من الثقة الزائفة.
تمثل السطور التالية تقييمات استشرافية بناءً على حسابات المصالح والمخاوف، والقدرات العسكرية، والأهداف السياسية، وأنماط صنع القرار لدى الطرفين المتصارعين.
السيناريو الأول (الأكثر ترجيحا).
أزمة عابرة وعودة إلى طاولة المفاوضاتيتمثل المسار الأكثر احتمالية في أن تثبت حادثة الأباتشي والضربة الانتقامية الأمريكية أنهما مجرد حلقة عنيفة ولكنها محتواة، وأن تعود المفاوضات لتتصدر المشهد.
يسعى الرئيس دونالد ترمب، كأي قائد عام أمريكي، إلى تقليل الخسائر العسكرية الأمريكية إلى الحد الأدنى، وقد كان إسقاط الأباتشي بمنزلة كارثة وشيكة، حيث يشكل احتمال مقتل المزيد من العسكريين الأمريكيين في أثناء العمليات قيدا على مدى استعداد واشنطن للمضي قدما.
تضيق المساحة التي يمكن من خلالها استئناف المفاوضات دون مزيد من التصعيد، حيث تواجه كل من واشنطن وطهران بيئة محلية ليس لديها رغبة تذكر في التسوية، وقادة عسكريين يعملون في مسرح يعتبر فيه التصعيد التالي مسألة وقت فقطتسير حسابات طهران في اتجاه موازٍ؛ إذ تدرك القيادة الإيرانية- والمتمثلة في الدائرة الضيقة من كبار رجال الدين وقادة الحرس الثوري وغيرهم من كبار المسؤولين الذين يتخذون قرارات النظام- أن تجدد الصراع شديد الحدة يهدد بأن تستهدف الولايات المتحدة مجددا الأشخاص والمؤسسات ذاتها التي تدعم بقاء النظام.
هنا يعد البقاء حافزا قويا لضبط النفس.
تظل البنية التحتية للقنوات الخلفية سليمة، ويمتلك كلا الجانبين مسارا يحفظ ماء الوجه للعودة إلى المحادثات.
ويبقى هذا السيناريو قائما ما لم يخطئ أحد الطرفين في تقدير قدرة الآخر على تحمل الألم.
السيناريو الثاني (محتمل نوعا ما).
عودة الغضبينبغي ألا يستبعد خيار العودة إلى العمليات القتالية شديدة الضراوة.
تشير التقييمات الاستخباراتية الأمريكية، وفقا للتقارير الإعلامية، إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بما يقرب من 70% من قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية؛ وعلاوة على ذلك، يسهل نسبيا إعادة تشكيل مخزونات الطائرات بدون طيار، إذ تمتلك إيران قدرة هجومية متبقية، وقد أظهرت استعدادا لاستخدامها.
تتضمن خيارات التصعيد الإيرانية الأكثر تأثيرا استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، حيث ستؤدي ضربات من هذا النوع إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وتوليد ضغوط كبيرة تجاه الحضور الأمريكي في المنطقة، كما تعد أيضا الهجمات الانتقامية التي تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية أمرا واردا.
يتضمن المسار الفرعي الأكثر خطورة توجيه ضربة صاروخية باليستية إيرانية مباشرة على تجمعات عسكرية أمريكية في المنطقة تخترق الدفاعات الأمريكية وتوقع خسائر بشرية.
يدرك المسؤولون الإيرانيون مدى حساسية الولايات المتحدة وتجنبها للخسائر البشرية، وقد يحسب بعضهم أن نجاح ضربة كهذه سيضع واشنطن أمام خيار مستحيل: إما تقبل الخسائر وتبدو ضعيفة، أو التصعيد إلى مستويات أعلى بكثير.
هذا رهان خطير، لكن العقيدة الإيرانية أظهرت تاريخيا قدرة على تحمل المخاطر غير المتكافئة (الردع غير المتماثل).
السيناريو الثالث (احتمال أقل).
التصعيد الأفقيقد يكون المسار الثالث هو الأقل احتمالا ولكنه قد يحمل العواقب الأكثر عمقا وتأثيرا.
أظهرت إيران في بعض الأحيان إبداعا إستراتيجيا عندما تنطوي الخيارات العسكرية التقليدية على تكلفة باهظة للغاية.
يتمثل ذلك في الشبكات المرتبطة بإيران في بعض البلدان لا سيما في أمريكا اللاتينية، وما يمكن أن تحدثه من تهديدات للمصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي، ويتوقف ذلك على مدى استعداد إيران للتعامل مع هذا الأمر باعتباره صراعا عالميا، وسيكون من الصعب على واشنطن مواجهتها بالوسائل العسكرية التقليدية.
أدى حادث الأباتشي، قبل كل شيء، إلى تضييق مساحة اتخاذ القرار لكلا الجانبين.
تضيق المساحة التي يمكن من خلالها استئناف المفاوضات دون مزيد من التصعيد.
تواجه كل من واشنطن وطهران بيئة محلية ليس لديها رغبة تذكر في التسوية، وقادة عسكريين يعملون في مسرح يعتبر فيه التصعيد التالي مسألة وقت فقط.
تبقى الحوافز التشجيعية للعودة إلى المحادثات حقيقية وواقعية.
غير أن الحوافز تختلف عن القرارات، ويمثل تاريخ هذا الصراع سجلا لتقليل كلا الجانبين من شأن ما كان الطرف الآخر مستعدا لاستيعابه.
تتمثل النتيجة الأكثر ترجيحا في العودة إلى المفاوضات، ومع ذلك، لم تعد النتائج الأكثر خطورة مجرد افتراضات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك