قناة القاهرة الإخبارية - مضيق هرمز.. كيف تحوله إيران إلى ورقة ضغط استراتيجية لتعويض ضعف القوة العسكرية؟| مطروح للنقاش قناة العالم الإيرانية - العميد شكارجي: أي تهديد لإيران سيُواجه برد أشد وأكثر تدميراً من ذي قبل العربي الجديد - الدنمارك: منفتحون لفرض عقوبات على إسرائيل وكالة سبوتنيك - هل تدخل المنطقة حربًا شاملة بعد إعلان "أنصار الله" غلق باب المندب واستهداف إسرائيل مجددًا؟ العربية نت - تقديرات إسرائيلية: شكوك حول التوصل لاتفاق بين أميركا وإيران القدس العربي - كأس العالم 2026: افتتاح على وقع توترات واضطرابات ومشجّعون غاضبون من حظر تأشيراتهم يني شفق العربية - أبو صفية مكبلًا أمام قضاء الاحتلال.. أول ظهور منذ اعتقاله قناة الغد - مصر تدعو إلى تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة ترمب للسلام في غزة العربي الجديد - رئيس الوزراء القطري يلتقي وليد جنبلاط في الدوحة الجزيرة نت - بيترو يحذر من عودة النازية بعد حرب غزة ويطالب بحوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي
عامة

عبد الغني العيادي يكتب: المأزق العربي.. حين يصبح الضعف مصنعا للخصوم

الوطن
الوطن منذ 1 ساعة

حين يُطرح سؤال الخطر على الأمن القومى العربى، تنطلق أغلب التحليلات من الخارج إلى الداخل، فتبدأ بتحديد الخصوم، ثم قياس حجم التهديد، قبل العودة إلى البحث عن أسباب العجز. غير أن هذا المنطق يحتاج إلى مراج...

حين يُطرح سؤال الخطر على الأمن القومى العربى، تنطلق أغلب التحليلات من الخارج إلى الداخل، فتبدأ بتحديد الخصوم، ثم قياس حجم التهديد، قبل العودة إلى البحث عن أسباب العجز.

غير أن هذا المنطق يحتاج إلى مراجعة نقدية؛ لأنه يفترض أن الخطر قائم بذاته، بمعزل عن حالة الطرف المُهدَّد.

الواقع يقول شيئاً مختلفاً: فى لحظات الضعف البنيوى، يصبح كل من يحيط بك خصماً محتملاً، لا لأن الجميع أعداء بطبيعتهم، بل لأن الضعف يُغرى بالاختراق.

فالعداوات لا تدوم، كما لا تدوم الصداقات، بينما تبقى المصالح وحدها الثابت الحقيقى.

والمصالح لا تُبنى إلا على تعريف واضح للذات: من نحن؟ ماذا نريد؟ وما الذى نسعى لحمايته؟أى أمة لا تحسم تعريفها الاستراتيجى لنفسها، لن تستطيع التمييز بين خصمها وصديقها، ولا بين التهديد والفرصة.

وفى هذا التيه، يصبح الخصم كل من يملك القوة، بينما يتحول الصديق إلى مجرد من يمنح وهم الحماية أو البقاء.

السؤال «من نحن؟ » ليس سؤالاً إنشائياً من زمن الشعارات، بل سؤال يتعلق بالمصالح والمشروع والحدود التى ندافع عنها.

ومن دون هذا التعريف، تتحول الدول إلى جغرافيا مفتوحة، يدخلها الجميع ويخرج منها الجميع.

خذ أى دولة عربية واسأل: أين تنتهى مصلحة الدولة وتبدأ مصلحة المحور؟ أين ينتهى الأمن الوطنى وتبدأ الولاءات الطائفية أو الحزبية أو العابرة للحدود؟ ، فى معظم الحالات تبدو الإجابة ضبابية، وهذا الضباب هو الفراغ الحقيقى، ليس فراغاً فى الأرض، بل فراغ فى تعريف الذات، ومن هنا يبدأ العجز.

بعيداً عن ضجيج الخطابات الرسمية، ما زالت الشعوب العربية تدور حول ثلاثة مطالب أساسية: الكرامة، والعدالة، والانتماء.

فالكرامة ليست قيمة أخلاقية فقط، بل شرط للاستقرار.

والدول التى تفقد ثقة مواطنيها تضطر إما إلى شراء الولاءات أو قمعها أو الاستقواء بالخارج، وفى كل الحالات تصبح أكثر هشاشة وقابلية للاختراق.

أما العدالة، فهى ليست مجرد مبدأ قانونى، بل أساس تماسك الدولة، فحين تغيب العدالة تزدهر الميليشيات، وحين تزدهر الميليشيات يجد الخارج بوابة مثالية للتدخّل.

ويبقى الانتماء هو الحصن الأخير.

فعندما ينهار الشعور الوطنى الجامع، يبحث الناس عن هويات بديلة: الطائفة، أو الإثنية، أو الأيديولوجيا العابرة للحدود.

لهذا، فإن هذه المطالب ليست ترفاً سياسياً، بل تُمثل البنية التحتية الحقيقية للأمن القومى.

فشعب مهدور الكرامة لن يحمى حدوداً، وشعب محروم العدالة لن يبنى اقتصاداً قادراً على الصمود، وشعب ممزّق الانتماء سيفتح أبوابه لكل مشروع خارجى يمنحه هوية بديلة.

ومن هنا أيضاً، لا تبدو الحركات الشعبوية أو الرجعية خطراً مستقلاً بقدر ما هى عَرَض من أعراض الهشاشة البنيوية، فهى تنمو داخل الفراغ، لا داخل المجتمعات المتماسكة.

هذا الفراغ لم يظهر فجأة، بل له لحظة تأسيسية واضحة.

فهزيمة عام 1967 دشّنت انتقالاً عميقاً من «دولة التعبئة» إلى «دولة البقاء».

كانت دولة التعبئة تمتلك مشروعاً سياسياً واجتماعياً واضحاً يقوم على التحرّر والتنمية والعدالة الاجتماعية، وتمنح مواطنيها شعوراً بالمشاركة فى قضية جماعية كبرى.

أما دولة البقاء، التى تشكّلت بعد الهزيمة، فقد أصبح هاجسها الأساسى حماية النظام واستمراره.

تحولت الدولة تدريجياً من مشروع جامع إلى كيان قطرى يخشى أى مشروع يتجاوز حدوده، ومن هنا بدأ التآكل البطىء لفكرة المجال العربى المشترك، وبدأ الفراغ الاستراتيجى الذى نعيش نتائجه اليوم.

ومع تآكل قدرة الدولة على تعريف نفسها والاستجابة لمطالب مجتمعها، بدأت السيادة تتآكل بدورها على مستويات متعدّدة.

فالاختراق اليوم لم يعد يحتاج إلى جيوش، بل يكفى امتلاك منصة إعلامية أو خوارزمية قادرة على إعادة تشكيل الوعى الجماعى.

ففى الحروب الحديثة لا يتحقّق الانتصار بالسلاح فقط، بل بالقدرة على فرض الرواية.

كما تحول العجز من حالة مؤقتة إلى ثقافة مستقرة، فأصبح «الصبر الاستراتيجى» أحياناً اسماً مهذباً لانتظار بلا أفق، وتحولت البيانات السياسية إلى بديل دائم عن الفعل الحقيقى.

وفى الوقت نفسه، جرى تحييد المؤسسات العربية المشتركة، فتحولت إلى هياكل خطابية عاجزة عن التأثير، بينما تتغير موازين القوى من حولها بوتيرة متسارعة.

وفى ظل هذا الفراغ، انقسمت المنطقة إلى محاور وولاءات متصارعة، بحيث أصبح كل طرف يحتاج إلى راعٍ خارجى يحميه من الطرف العربى الآخر.

وفى حالة الضعف البنيوى هذه، يصبح الخصوم كثراً ومتغيرين، ولذلك فإن الأهم ليس تعداد الأعداء، بل فهم القاعدة الأساسية: الضعف هو الذى يصنع الخصوم، لا العكس.

ومع ذلك، يمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من التهديدات:الأول، خطر وجودى بنيوى يتمثّل فى مشروع استيطانى توسّعى يستفيد من الانقسام العربى والتفوق العسكرى والتكنولوجى والإعلامى لتحقيق اختراق متراكم يصعب احتواؤه.

أما الثانى، فهو قوى إقليمية ذكية لا تعتمد على الغزو التقليدى، بل على الوكلاء المحليين والشبكات العقائدية والميليشيات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، وقد نجحت لأنها وجدت فراغاً سياسياً وهوياتياً جاهزاً للاستثمار.

لكن تحديد الخصم لا يكتمل من دون تحديد الحليف.

فبناء التحالفات من موقع قوة ذاتية يُمثل مضاعفاً للقوة الوطنية، لا بديلاً عنها.

وهنا يبرز سؤال مهم: ما القوى الدولية الأقرب إلى مصالحنا فى هذه المرحلة؟قد تمثل أوروبا، رغم تناقضاتها، فضاءً يمكن بناء علاقة عقلانية معه على أساس القانون الدولى والمصالح المشتركة، لا على أساس التبعية الأيديولوجية.

فاختيار الحليف يجب أن يكون امتداداً لمشروع بناء الذات، لا تعويضاً عن غيابها.

الخيار الحقيقى إذن ليس مجرد ترتيب الأخطار، بل بناء ذات عربية فاعلة تعرف نفسها وتنتج قوتها.

عندها فقط يصبح تحديد الخصم والصديق أمراً ممكناً.

هذا البناء يبدأ من تلبية مطالب الكرامة والعدالة والانتماء، ويمر عبر إنتاج القوة المستقلة من خلال التكامل الاقتصادى وتطوير الصناعات الدفاعية وبناء استقلال معرفى وإعلامى، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات تعليمية وبحثية قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة النخب.

هذه العناصر مجتمعة تشكل ما يمكن تسميته «القوة المركبة»، أى القوة التى لا تختزل فى السلاح أو الاقتصاد فقط، بل فى تماسك المجتمع وثقته بنفسه وقدرته على إنتاج المعنى والمعرفة معاً.

وعندما تُبنى هذه القوة، يتحول الوطن من فضاء قابل للاختراق إلى بيئة طاردة له.

الخلاصة أن المطلوب ليس البدء من الخارج، بل من الداخل، وليس من تعداد الخصوم، بل من تعريف المصالح وبناء الذات.

فعندما تنجح أمة فى ذلك، تتحول من مساحة مستباحة إلى فاعل تاريخى قادر على صناعة موقعه فى العالم.

فالعداوات لا تدوم، والصداقات لا تدوم.

وحدها المصالح هى التى تبقى.

وحين نحدد من نحن، يتحدد كل شىء آخر.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك