أثار قرار الحكومة بزيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار شهرياً نقاشاً واسعاً حول كلفته المالية، إلا أن جانباً مهماً من هذا القرار لم يحظَ بالاهتمام الكافي، وهو انعكاساته المباشرة على المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي والدراسات الاكتوارية التي تستند إليها المؤسسة في تقييم استدامتها المالية على المدى الطويل.
وخلال الأشهر الماضية أعددت دراسة مالية تناولت إمكانية تحسين دخول الموظفين والمتقاعدين من خلال إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الجاري ورفع كفاءته، انطلاقاً من فرضية أن تحسين الدخل لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره كلفة مالية مجردة، بل باعتباره قراراً اقتصادياً يمكن أن يولد آثاراً مالية وإيرادات إضافية تعود على مؤسسات الدولة والاقتصاد الوطني.
وقد استندت الدراسة إلى مراجعة عدد من بنود الإنفاق الجاري، من بينها نفقات القرطاسية والمطبوعات واللوازم المكتبية، والمواد والخامات، ومصروفات السلع والخدمات، وإعانات المؤسسات العامة غير المالية، بهدف تحديد البنود التي يمكن تحقيق وفر فيها من خلال مراجعة فنية متخصصة لكفاءة الإنفاق دون المساس بالخدمات الأساسية أو زيادة العجز والمديونية.
ولم تفترض الدراسة اقتطاع نسب بعينها من جميع تلك البنود، وإنما دعت إلى إجراء مراجعة حكومية وفنية متخصصة لكفاءة الإنفاق واختيار البنود التي يمكن ترشيد جزء من مخصصاتها دون المساس بالخدمات الأساسية.
وأظهرت الدراسة أن إعادة تدوير ما نسبته 10% من مخصصات البنود ذات الصلة التي تثبت المراجعة إمكانية تحقيق وفر فيها، يمكن أن توفر حيزاً مالياً مناسباً للمساهمة في تحسين رواتب الموظفين والمتقاعدين، مع الحفاظ على الاستقرار المالي واستمرار الخدمات الحكومية بالكفاءة المطلوبة، ودون أي أعباء مالية تثقل الموازنة العامة أو تزيد عجزها أو تستدعي تمويلاً بالدين لغايات الزيادة المقترحة.
واليوم، وبعد إقرار الزيادة، تبدو هذه الفرضية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ووفقاً للتقديرات المتداولة، تتراوح الكلفة السنوية للزيادة بين 180 و225 مليون دينار سنوياً تبعاً لعدد المستفيدين النهائيين وآلية احتسابهم، إلا أن هذه الكلفة لا تمثل بالضرورة الأثر المالي الصافي للقرار، لأن جزءاً منها سيعود مباشرة إلى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي من خلال الاشتراكات التأمينية الناتجة عن ارتفاع الأجور الخاضعة للاقتطاع.
وبالاستناد إلى فرضية أن ما يقارب 60% من قيمة الزيادة سيستفيد منها عاملون خاضعون للضمان الاجتماعي، مقابل 40% لمتقاعدين لا تترتب على دخولهم اشتراكات ضمان، فإن الإيرادات التأمينية الإضافية للمؤسسة قد تقترب من 30 مليون دينار سنوياً.
وهذه ليست مجرد إيرادات إضافية عابرة، بل مورد مالي مستدام يرتبط مباشرة بقاعدة المشتركين والأجور الخاضعة للضمان، ويؤثر على المؤشرات التي تعتمد عليها الدراسات الاكتوارية في قياس قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
ما يعني أن هذه الزيادة التأمينية المستدامة ستؤثر بلا شك على بعض الفرضيات التي بنيت عليها الدراسات الاكتوارية، والتي لا تقيس الواقع الحالي فقط، بل تبني توقعات تمتد لعقود قادمة استناداً إلى مستويات الأجور والاشتراكات والنمو الاقتصادي وعدد المشتركين والمتقاعدين ومصادر إيرادات الضمان التأمينية والاستثمارية.
ولا يقف الأثر المحتمل لهذا القرار عند حدود القطاع العام، إذ قد تدفع المتغيرات الجديدة في سوق العمل بعض منشآت القطاع الخاص إلى مراجعة سياسات الأجور لديها، خصوصاً في القطاعات التي تواجه منافسة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
وفي حال انعكس ذلك على مستويات الأجور في القطاع الخاص، فإن الأثر الإيجابي على إيرادات الضمان الاجتماعي ومؤشرات الاستدامة المالية قد يتجاوز التقديرات الحالية، وهو ما يعزز أهمية متابعة هذه التطورات عند إعداد أي مراجعات اكتوارية مستقبلية.
وبذلك، فإن الزيادة المتوقعة في الإيرادات التأمينية من شأنها أن تنعكس على مؤشرات الاستدامة المالية للمؤسسة وعلى مواعيد نقاط التعادل الاكتوارية والمالية التي تعد من أهم المؤشرات المستخدمة عالمياً لقياس متانة أنظمة التقاعد والتأمينات الاجتماعية.
وعليه، فإنني أؤكد أن قرار زيادة الرواتب لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية العدالة الاجتماعية أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بل من زاوية أثره المؤسسي طويل الأمد على واحدة من أهم مؤسسات الحماية الاجتماعية في الأردن.
ومن هنا أدعو، في ضوء هذا التطور الإيجابي، إلى مراجعة اكتوارية جديدة تأخذ بعين الاعتبار أثر الزيادة الأخيرة وأي تطورات محتملة في مستويات الأجور على الفرضيات الواردة في الدراسات الاكتوارية الحالية، وتحديث المؤشرات المرتبطة بالإيرادات والاستدامة ونقاط التعادل المستقبلية.
لقد رحبنا جميعاً بقرار زيادة الرواتب لما يحمله من أثر إيجابي على حياة المواطنين، لكن الأهمية الاقتصادية الحقيقية للقرار قد تكمن في آثاره الإيجابية طويلة الأمد التي لم تحظَ حتى الآن بما تستحقه من اهتمام، وتحديداً أثره في تعزيز إيرادات الضمان الاجتماعي وتحسين مؤشرات استدامته المالية.
وإذا كانت زيادة الرواتب قد بدأت كقرار لتحسين مستوى المعيشة، فإن آثارها قد تمتد لتصبح أحد العوامل المؤثرة في مستقبل الاستدامة المالية للضمان الاجتماعي نفسه.
ومن هنا فإن مراجعة الفرضيات الاكتوارية في ضوء هذه المتغيرات لم تعد خياراً فنياً فحسب، بل أصبحت ضرورة لضمان أن تستند القراءات المستقبلية إلى واقع اقتصادي جديد لم يكن قائماً عند إعداد الدراسات السابقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك