“في الصّيف ضيّعتِ اللّبن”، مثل عربي مشهور يُضرب لمن يضيّع الفرصة ويفوت الغنيمة، وقصّته أنّ امرأة تُدعى دَخْتَنُوس بنت لقيط بن زرارة، كانت زوجة لأبي شريح عمرو بن عُدَاس، وكانت ذات جمال وبهاء ودهاء، وكان زوجها الثريّ يكرمها ويجلّها ويغدق عليها من كلّ ما تشتهيه، لكنّها، وبعدما أسنّ زوجها وأصبح عجوزا، كرهت عشرته، وصارت تقارن حالها بحال صديقاتها اللائي تزوّجن بفتيانٍ يقاربونهنّ في العمر، وتأسَفُ لشبابها الذي ينفلتُ منها في ظلّ شيخٍ مسنِّ، فلم تزل تؤذيه وتُسمعه ما يكره وتهجره، حتى طلّقها في الصّيف.
بعده تزوجت المرأة شابًّا جميل المُحيّى، هو عُمير بن مَعبد من آلِ زُرارة، لكنّه لم يكن كزوجها السابق في الشجاعة والثّراء والمروءة وكريم الخصال… وذات عام أجدبت الأرض، وكان الوقتُ صيفا قائظا، فمرّت إبل عمرو بن عدس (زوجها الأوّل) عليها كأنّها الليل من كثرتها، فقالت دختنوس لخادمتها: انطلقي إلى صاحب هذه الإبل فقولي له فليسقنا من اللّبن، فأتت الخادمة وقالت له: إنّ بنت عمك دختنوس تقول لك اسقِنا من لبنك، فقال لها عمرو: قولي لها “في الصّيف ضيّعْتِ اللّبن يا دختنوس”.
هذا المثل ربّما يصلح لأن يساق لوصف حالنا حين يرضى بعضنا بأن يضيّعوا رصيد رمضان والعشر من ذي الحجّة من الطّاعات والقربات، في متابعة فعاليات المهرجانات الغنائية التي تعطى لها شارة الانطلاق في مثل هذه الأيام؛ بطبعات جديدة ومزيدة! أين تمتلئ المدرّجات بالرجال والنساء والعائلات التي ترتضي أن تبذل الأموال الطائلة لحضور سهرات غنائية تحوم أغلب كلماتها حول “الحبّ” و”الغرام” وتدعو إلى كسر حواجز الحياء، يؤدّيها مغنّون يتقاضون أجورا خيالية، لقاء سويعات قليلة من الغناء والرّقص والتّمايل والهتاف!إنّه لا عجب في أن تنطلق المهرجانات والسّهرات ويُدعى المغنّون والفنّانون لإحياء السّهرات، وتنطلق معها حفلات الأعراس الصّاخبة، في أيام تُعدّ مهمّة بالنّسبة لمردة الجنّ الذين تفكّ أغلالهم بعد رمضان، ويستعيدون نشاطهم بعد موسم الحجّ وأيام العشر من ذي الحجّة، ليبذلوا قصارى جهودهم لتعويض ما فاتهم في تلك المواسم، ويحاولوا ثني التائبين عن توبتهم، وإلهاء الطّائعين عن طاعاتهم، تحدوهم في ذلك بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل التي تطوّعت لتنقل أخبار وفعاليات المهرجانات الغنائية؛ إنّه لا عجب في هذا، لكنّ العجب في حال من يستجيب -طوعا- لتلك الدعوات ويبذل وقته وماله وراحته ليرضي الشيطان، في وقت يفترض في حقّه أن يفكّر في استئناف حياة جديدة بعد موسم الحجّ وأيام العشر ومع بداية عام هجريّ جديد!العجب العجاب هو أن تنسل بعض العائلات-طوعا- من كلّ حدب وصوب ويقطع بعضها مئات الكيلومترات ويبذل أربابها الأموال الطّائلة لحضور فعاليات هذه المهرجانات، وتحدّثنا الصّحف والقنوات والصفحات بعد ذلك عن الأعداد الهائلة من الأُسَر التي تملأ الكراسي والمدرّجات وتتمايل طربا على وقع الوصلات والأغنيات التي يؤدّيها الفنّانون والفنّانات!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك