في آذار الماضي، وبينما كانت طائرات حربية إسرائيلية تقصف الضاحية الجنوبية في بيروت، وكان سكان المنطقة يفرّون مذعورين للنجاة بحياتهم، رأى رجل واحد في الفوضى فرصة ذهبية.
وتحت غطاء الفوضى العارمة التي سادت الشوارع، تمكّن من الإفلات من سجنه داخل زنزانة احتجاز سرية تابعة لحزب الله.
ومن هناك، شقّ طريقه نحو التلال الخضراء المطلة على العاصمة.
وعندما وصل إلى الحي الدبلوماسي في بعبدا، توارى واختفى خلف بوابات السفارة الأوكرانية.
أما مكان وجوده الآن، فلا يزال لغزاً متشابكاً مع لعبة تجسس مستمرة، في وقت يحاول فيه حزب الله اقتلاع عملاء استخبارات إسرائيليين تسللوا إلى صفوفه.
الرجل الذي عرّفه مسؤولون لبنانيون باسم خالد العايدي يُقال إنه لاجئ فلسطيني من سوريا يحمل أيضاً الجنسية الأوكرانية.
وكان محتجزاً لدى حزب الله في ضواحي بيروت، واتهمه مسؤولون لبنانيون بأنه جزء من مخطط استخباراتي إسرائيلي أُحبط، كان يهدف إلى تنفيذ تفجيرات وعمليات اغتيال.
وقد قدم تفاصيل فرار العايدي والقضية المرفوعة ضده أمام المحكمة العسكرية اللبنانية ثلاثة مسؤولين قضائيين ومسؤولان أمنيان كبيران في لبنان، تحدثوا لوكالة «أسوشييتد برس» شرط عدم الكشف عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتعليق علناً.
كما قدم مسؤول سياسي بارز في حزب الله تفاصيل إضافية.
وقد تكون لاختفاء العايدي تداعيات سياسية على الحكومة اللبنانية، التي التزمت إلى حد كبير الصمت حيال القضية.
فإذا ظهرت أدلة على أن العايدي غادر لبنان بمساعدة من الحكومة، فقد يؤدي ذلك إلى تأجيج التوتر مع القاعدة الشعبية لحزب الله.
وطلبت السفارة الأوكرانية من السلطات اللبنانية في آذار تسهيل مغادرة العايدي البلاد بعد فراره من احتجاز حزب الله، وفق وثيقة حكومية لبنانية حصلت عليها وكالة «أسوشيتد برس».
لكن جهاز الأمن العام رفض الطلب، قائلاً إن مذكرة توقيف قضائية صدرت بحقه في أيلول 2025، بحسب الوثيقة.
ورفض جهاز الموساد الإسرائيلي التعليق.
كما رفضت وزارة الخارجية الأوكرانية التعليق.
وقال مسؤول أوكراني مطلع على القضية إن العايدي ليس موجوداً في السفارة الأوكرانية أو في مجمعها في لبنان.
ورفض المسؤول، الذي تحدث شرط عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الوضع، الإفصاح عن مكان العايدي.
كما رفض، حرصاً على أمن السفارة الأوكرانية وموظفيها، القول ما إذا كان العايدي قد دخل السفارة أصلاً، أو ما إذا كانت أوكرانيا قد ساعدته على الفرار.
شبكات إسرائيل الاستخباريةباستخدام مصادر بشرية ووسائل مراقبة تكنولوجية متقدمة، أنشأت إسرائيل شبكات استخبارية واسعة النطاق في لبنان.
وقد ساعدها ذلك في تنفيذ عمليات دراماتيكية ضد حزب الله.
وفي المثال الأكثر تعقيداً، اخترقت إسرائيل سلسلة الإمداد الخاصة بحزب الله، وأرسلت إلى الجماعة المسلحة المدعومة من إيران آلاف أجهزة النداء اللاسلكي «بيجر» وأجهزة الاتصال اللاسلكي المفخخة.
وفجّرت إسرائيل تلك الأجهزة عن بُعد في أيلول 2024، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 37 شخصاً.
وبعد أيام، قتلت غارات جوية إسرائيلية الزعيم التاريخي لحزب الله، السيد حسن نصرالله، بينما كان مختبئاً في ملجأ شديد التحصين.
وقال نيكولاس بلانفورد، الخبير في شؤون الجماعة المسلحة في المجلس الأطلسي، إن الاستخبارات الإسرائيلية داخل حزب الله، حتى قبل ذلك، أتاحت لإسرائيل استهداف كبار قادة الجماعة وقادتها الميدانيين «بسهولة نسبية».
ومنذ حرب إسرائيل وحزب الله عام 2024، شنّ حزب الله والسلطات اللبنانية حملة ضد شبكات تجسس مزعومة.
وقال المسؤولون القضائيون إن نحو 50 شخصاً أُدينوا ويقضون حالياً أحكاماً بالسجن، فيما لا يزال آخرون قيد التحقيق.
وقال المسؤول السياسي في حزب الله وفيق صفا للوكالة الأميركية: «لقد نجحنا في كشف العديد من شبكات التجسس، كما نجحت الدولة أيضاً في هذا الأمر».
لكنه أضاف أن «الإسرائيليين يعملون دائماً على تجنيد شبان لبنانيين من جميع الطوائف والمجتمعات».
العايدي لا ينطبق عليه نمط العملاء الآخرينتضمنت العديد من شبكات التجسس المزعومة أعضاء حاليين أو سابقين في حزب الله، أو أفراداً لهم صلات عائلية بالجماعة.
أما العايدي، فعلى النقيض من ذلك، كان شخصاً من خارج هذه الدائرة.
وكان يحمل الجنسية الأوكرانية عن طريق والدته، وفق الوثيقة الحكومية اللبنانية التي حصلت عليها «أسوشيتد برس».
ولا يُعرف كيف جرى تجنيده، بحسب المزاعم، من قبل إسرائيل.
وقد لجأ مئات الآلاف من السوريين إلى لبنان خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت 14 عاماً.
لكن العايدي دخل البلاد في آب/أغسطس 2025 على متن رحلة قادمة من إثيوبيا، بحسب أحد المسؤولين الأمنيين اللبنانيين.
وبينما بدأ حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي كتنظيم حرب عصابات صغير يقاتل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، فإنه توسع بشكل كبير بعد حربه مع إسرائيل عام 2006، ما جعله «أسهل اختراقاً بالنسبة إلى الإسرائيليين» بحسب بلانفورد.
وأضاف أن دخول الجماعة الحرب الأهلية السورية عرّضها أكثر للاختراق، بعدما خُفّضت معايير التجنيد.
كما قال بلانفورد إن الأزمة الاقتصادية في لبنان ساعدت أيضاً جهود إسرائيل في التجنيد.
وتصف قضايا مرفوعة أمام المحكمة العسكرية في لبنان عملاء تلقوا مبالغ تراوحت بين 2500 و20 ألف دولار مقابل تقديم معلومات استخبارية عن مستودعات أسلحة ومكاتب سياسية تابعة لحزب الله.
وقال المسؤولون القضائيون إن كثيراً من العملاء المزعومين جرى تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل مشغّلين إسرائيليين.
ومن بين القضايا البارزة قضية محمد هادي صالح، وهو مغنٍّ ومنشد ديني معروف في الأوساط المرتبطة بحزب الله.
وقد اعتُقل في أيار/مايو 2025 ووجهت إليه تهمة تزويد الموساد بخرائط وإحداثيات لمواقع أساسية تابعة لحزب الله، استُهدفت لاحقاً في عمليات إسرائيلية.
وهو حالياً في السجن بانتظار محاكمته.
وقال مهند الحاج علي، الباحث البارز في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت: «من المفارقات أن حزب الله كان يمضي وقتاً طويلاً في اتهام خصومه بأنهم جواسيس لإسرائيل، ثم يتبين أن الجواسيس كانوا في الواقع من داخل التنظيم وقاعدته الداعمة».
وتتواصل جهود التجنيد.
فخلال الحرب الأخيرة، ألقت إسرائيل منشورات فوق لبنان تحتوي على رموز استجابة سريعة «QR»، قالت عنها قيادة الجيش اللبناني إنها توجه الناس إلى وحدة عسكرية إسرائيلية مكلفة بتجنيد العملاء.
وقال جهاز الأمن العام في تشرين الأول إنه فكك شبكة كانت تخطط لتفجيرات وعمليات اغتيال في لبنان، بينها عملية كانت تستهدف فعاليات إحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال نصرالله.
وقال مسؤولون أمنيون وقضائيون إن السلطات عثرت على دراجة نارية مفخخة ومجهزة بمتفجرات، وسيارة عُدّلت لحمل متفجرات.
ووُجهت التهم إلى العايدي وستة آخرين، جميعهم لبنانيون.
وقال المسؤولون القضائيون إن واحداً من الستة فرّ أيضاً، فيما يقبع الآخرون في سجن لبناني بانتظار المحاكمة.
وكان العايدي وحده محتجزاً لدى حزب الله، على الأرجح لأنه اعتُبر صيداً ثميناً.
وتزعم المحكمة العسكرية أن العملية دبّرها مشغّل في الموساد يقيم في ألمانيا، وكان يتواصل مع الآخرين عبر تطبيقات مشفرة.
وقد أرسلت المحكمة مذكرة استدعاء إلى السفارة الأوكرانية، لكنها لم تتلقَّ رداً.
وقال صفا إنه كانت هناك محاولة فاشلة لتهريب العايدي من لبنان إلى سوريا، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية.
وقال المسؤولان الأمنيان اللبنانيان الكبيران إن الاعتقاد السائد هو أن العايدي غادر البلاد.
ولم يتضح ما إذا كان قد عبر إلى سوريا، حيث قال مسؤولون إنهم لا يملكون أي معلومات عنه.
اختفاء الجاسوس يرفع منسوب التوترتمر العلاقة بين الحكومة اللبنانية وحزب الله بمرحلة متدنية.
فقد غضبت الحكومة من قرار الجماعة المسلحة، بصورة منفردة، الدخول في حرب أخرى مع إسرائيل، في حين يشعر حزب الله بغضب شديد لأن الحكومة اختارت التفاوض مباشرة مع إسرائيل حول وقف لإطلاق النار، وربما حول اتفاق أمني وسياسي أوسع.
وقد يؤدي فرار العايدي إلى تفاقم التوتر ووضع الدولة اللبنانية في موقف صعب.
وقال الحاج علي إنه إذا رفضت السلطات اللبنانية السماح للعايدي بمغادرة البلاد، فإن الولايات المتحدة وأوكرانيا كانتا «في موقع جيد لممارسة ضغط كبير» لضمان إطلاق سراحه.
وفي المقابل، إذا بدا أن الدولة سمحت للعايدي بالفرار، فإنها ستواجه «غضباً شعبياً، في معظمه بين الشيعة اللبنانيين» المتعاطفين مع حزب الله، وهو غضب يمكن استخدامه لتأجيج التوترات الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك