لا يبحث نظام ولاية الفقيه عن مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، بقدر ما يبحث عن أزمة مضبوطة يحتاجها للبقاء.
فحادثة إسقاط مروحية الأباتشي قرب منطقة الخليج، وما أعقبها من رد أميركي وضربات متبادلة، لا تبدو مجرد تطور عسكري محدود، بل تكشف آلية ثابتة في سلوك طهران: كلما اشتد الضغط الداخلي، لجأ النظام إلى إشعال الخارج.
إنه لا يريد حرباً شاملة قد تفتح عليه أبواب الانهيار، ولا يريد سلاماً حقيقياً يعيد الأنظار إلى الفقر، والإعدامات، واحتجاجات الطلاب، وصراعات الأجنحة؛ لذلك يتمسك بحالة رمادية بين الحرب والسلام، تمنحه وقتاً إضافياً، وتبقي المجتمع في حالة تعبئة وخوف.
النظام الإيراني لا يريد حرباً مفتوحة مع الولايات المتحدة.
فهو يعرف أن مواجهة شاملة قد تكشف حجم ضعفه، وتضرب ما تبقى من بنيته العسكرية والاقتصادية، وتفتح الطريق أمام انفجار داخلي لا يستطيع السيطرة عليه.
لكنه في الوقت نفسه لا يريد هدوءاً كاملاً.
فالهدوء يعني أن يعود الناس إلى أسئلتهم الحقيقية: لماذا ينهار الاقتصاد؟ لماذا تتسع رقعة الفقر؟ لماذا ترتفع الإعدامات؟ لماذا يُقمع الطلاب والنساء والعمال؟ ولماذا تُبدد ثروات البلاد على الصواريخ والميليشيات والحروب الخارجية؟من هنا يفضل النظام معادلة “لا حرب ولا سلام”.
إنها المعادلة التي تمنحه مساحة للحركة.
فهو يهدد ولا ينفجر، يضرب ولا يذهب إلى النهاية، يفاوض ولا يتنازل، ويتحدث عن “المقاومة” بينما يبحث عن صفقة تخفف الضغط عنه.
في هذه المنطقة الرمادية، يستطيع أن يقول للأميركيين إن الضغط عليه له كلفة، وإن أمن الخليج ومضيق هرمز والقوات الأميركية في المنطقة ليست ملفات منفصلة عن مطالبه على طاولة المفاوضات.
لكن الوظيفة الأهم لهذه الأزمات تبقى داخلية.
فالنظام يواجه في الداخل مجتمعاً غاضباً ومنهكاً: أزمة معيشية، بطالة، تضخم، تدهور الخدمات، احتجاجات طلابية، وموجة إعدامات متصاعدة.
في مثل هذا الوضع، يحتاج إلى “عدو خارجي” يعلّق عليه فشله، ويستخدمه لإسكات الاعتراضات.
كلما سأل الناس عن الخبز والحرية والكرامة، يجيبهم النظام بخطاب الحرب والخطر والأمن القومي.
وهنا يبرز لبنان كدليل إضافي على طبيعة هذه السياسة.
فالنظام الذي يتحدث منذ عقود عن حماية لبنان و”دعم المقاومة” ترك لبنان عملياً وحيداً أمام الكلفة الثقيلة للمواجهة مع إسرائيل.
يستخدم حزب الله كورقة ضغط في صراعه مع واشنطن وتل أبيب، لكنه عندما ترتفع كلفة الحرب، يتراجع إلى حسابات البقاء في طهران، ويترك اللبنانيين يواجهون الدمار والعزلة والخوف وانهيار ما تبقى من دولتهم.
بهذا المعنى، لم يكن لبنان بالنسبة إلى نظام ولاية الفقيه شريكاً يحميه، بل ساحة يستثمر فيها ثم يتركها تدفع الثمن.
هذا التناقض يكشف جوهر المشروع الإيراني في المنطقة.
فطهران لا تريد حرباً حقيقية دفاعاً عن لبنان، ولا تريد سلاماً يحرر لبنان من سلاحها ونفوذها.
إنها تريد لبنان معلقاً بين الحرب والهدنة، كما تريد إيران نفسها معلقة بين الحرب والسلام.
فحالة التوتر الدائم تسمح لها بإبقاء حزب الله في موقع الحاجة، وإبقاء الدولة اللبنانية ضعيفة، واستخدام الجبهة اللبنانية عند اللزوم لتحسين شروط التفاوض.
الأزمة الخارجية تخدم أيضاً أجنحة الحكم.
فعندما تتصاعد الخلافات حول التفاوض، أو مسؤولية الفشل، أو دور الحرس الثوري، تأتي المواجهة مع واشنطن أو إسرائيل كغطاء مؤقت لفرض الصمت الداخلي.
يتم استدعاء شعار “الوحدة” لا لأن النظام موحد فعلاً، بل لأنه خائف من انفجار صراعاته أمام الشارع.
لذلك، فإن إسقاط المروحية والردود المتبادلة لا يعبران عن قوة مستقرة، بل عن سلطة تحتاج دائماً إلى التوتر كي تتنفس.
إنها تحاول تحويل الأزمة من طهران إلى الخليج، ومن الشارع إلى الجبهة، ومن مطالب الناس إلى لغة التعبئة.
وفي الوقت نفسه، تستخدم لبنان كمنصة رسائل ثم تتخلى عنه عندما يصبح الثمن باهظاً.
الخلاصة أن سياسة “لا حرب ولا سلام” ليست صدفة، بل خيار بقاء.
فهي تسمح للنظام بأن يفاوض من موقع تهديد، وأن يبرر القمع باسم الأمن، وأن يبقي المجتمع في حالة استنفار، وأن يشتري وقتاً إضافياً أمام أزماته المتراكمة.
لكن هذه اللعبة لها حدود.
فكل أزمة خارجية قد تمنحه نفساً مؤقتاً، لكنها لا تلغي الجذور العميقة للغضب الشعبي، ولا تخفي حقيقة أن النظام الذي يزعم حماية لبنان والمنطقة لا يحمي في النهاية إلا بقاءه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك