رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السقف عاليا بمواجهة إسرائيل، ليرسم ما وُصف بخطوط حمراء تركية في التعامل مع تل أبيب ومواجهة ما تعتبره أنقرة مشروعا توسعيا إسرائيليا، فمن هاطاي إلى بيروت، مرورا بحلب ودمشق، حملت الرسائل الجديدة لأردوغان أبعادا ودلالات عميقة في سياق العلاقات المتوترة بين تركيا وإسرائيل.
وجاءت تصريحات أردوغان التي أدلى بها -اليوم الأربعاء- خلال كلمة ألقاها في اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي في وقت يصعّد فيه الجيش الإسرائيلي خروقاته لاتفاقي وقف إطلاق النار في قطاع غزة ولبنان، ويواصل توغلات شبه يومية في القنيطرة ودرعا بجنوب سوريا، في تجاوزات وخروقات أخرى لاتفاق فصل القوات لعام 1974.
وقال الرئيس التركي إن" أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية أو من ولاية هاطاي، بل من حلب ودمشق وبيروت"، مؤكدا" أن أنقرة لن تسمح بفرض أمر واقع على الدول الشقيقة أو بتنفيذ مخططات تسمح بأوهام أرض الميعاد".
وتمتد الحدود السورية التركية على أكثر من 900 كيلومتر، وتحاذي ولاية هاطاي الحدود السورية متجاورة مع محافظات إدلب وحلب واللاذقية السورية، وطالما كانت هاطاي -تاريخيا- على مفترق طرق عبر جغرافية الشرق الأوسط، فالولاية بين الأناضول وبلاد الشام وتحاذي البحر الأبيض المتوسط.
وفي انتقاد شديد لأحد أهم مرتكزات الخطاب الإسرائيلي الأيديولوجي، قال أردوغان إن تركيا تدرك جيدا" الهدف النهائي لأوهام الأرض الموعودة"، مضيفا" بإذن الله لن نسمح أبدا بذلك" مؤكدا" أن دمشق وبيروت شقيقتان لإسطنبول، وأن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت"، مشددا على أن بلاده" لن تتغاضى عن أي هجمات تستهدف البلدان الشقيقة، ولن تسمح بفرض أمر واقع عليها".
وحذر من أنه" إذا لم يتم وضع حد لبلطجة إسرائيل فإن ثمن ذلك لن تدفعه المنطقة وحدها إنما الإنسانية بأسرها"، وأشار إلى أن" إيقاف إسرائيل مسؤولية إنسانية مشتركة ومنع تكرار مآسي التاريخ واجب على الجميع"، كما حذر من الانخراط في مغامرات تخدم" شبكة المجازر الصهيونية".
وأشار إلى أن" الإدارة الصهيونية" تواصل تنفيذ سياسات تهدد استقرار المنطقة، مؤكدا أن إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان وتستمر في تنفيذ عملياتها العسكرية فيه، كما تسعى إلى زعزعة الاستقرار في دول أفريقية وأخرى مطلة على البحر المتوسط.
وتابع أردوغان بأن الهجمات التي نفذها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و" شبكته الإجرامية" في سوريا ولبنان وصلت إلى مستوى أصبح يهدد تركيا أيضا.
نتنياهو يتهم أردوغان بمعاداة الساميةلم يتأخر الرد الإسرائيلي على تصريحات أردوغان، فقد شنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هجوما حادا عليه، وذلك في تدوينة على حسابه في منصة" إكس"، متهما أردوغان بأنه" يرتكب جرائم"، ووصفه بـ" الدكتاتور المعادي للسامية".
وأضاف نتنياهو -المطلوب للجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة- أن" الطاغية المعادي للسامية أردوغان، الذي يرتكب إبادة جماعية ضد الأكراد، ويدعم حركة حماس، ويقمع شعبه، ويسجن خصومه السياسيين، هو آخر من يمكن أن يُلقي موعظة أخلاقية على دولة إسرائيل".
وأضاف نتنياهو" أن إسرائيل وجيشها -الذي وصفه بأنه الأكثر أخلاقية في العالم- سيواصلان العمل بقوة ضد إيران ووكلائها الذين يهددون الشرق الأوسط والعالم أجمع".
اتهامات نتنياهو، وُوجهت في تركيا برد سريع، حيث قال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران في بيان نشره على منصة إكس، إن القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها نتنياهو، مسؤولة عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين في غزة والضفة الغربية، إضافة إلى تجويع المدنيين وتدمير المدن وانتهاك القانون الدولي، ووصف محاولات تقديم دروس في الأخلاق لتركيا بأنها" وقاحة".
وأضاف أن من يواجهون إجراءات أمام محكمة العدل الدولية في قضايا تتعلق بالإبادة في غزة، لا يمكنهم الطعن في مواقف تركيا أو استهداف الرئيس رجب طيب أردوغان، واصفا ذلك بأنه" تناقض صارخ".
وأكد أن تركيا ستواصل بقيادة الرئيس أردوغان الدفاع عن الحق والوقوف في وجه الظلم، وأنها ستبقى ثابتة في مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، رغم ما وصفه بالحملات الإعلامية عليها.
ووفقا لمحللين، فإن تصريحات أردوغان الجديدة تتجاوز حالة الغضب من العدوان الإسرائيلي المتكرر على الجبهات الثلاث (غزة ولبنان وسوريا)، إلى ربط تركي إستراتيجي بين الأمن في لبنان وسوريا والأمن القومي التركي، خصوصا أن آلة الحرب الإسرائيلية أصبحت على مقربة جغرافية من جنوب تركيا، وربما هذا ما يفسر تأكيد أردوغان أن أمن تركيا يتجاوز هاطاي، ولايتها الجنوبية الأقرب للحدود السورية، إلى حلب القريبة من الحدود التركية أيضا وحتى دمشق، قلب سوريا، وصولا إلى بيروت التي لا تبعد أكثر من 400 كيلومتر عن الحدود التركية.
وبالإضافة إلى ذلك، تأتي التصريحات الجديدة ضمن توتر متصاعد مع إسرائيل بلغ ذروته بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ شنّت إسرائيل مئات الغارات الجوية لتدمير معدات وثكنات الجيش السوري، كما قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان السوري بالتوغل داخل المنطقة العازلة، وتوسعت التوغلات لاحقا إلى بعض البلدات خارج المنطقة العازلة، الأمر الذي أثار مخاوف تركية من أهداف إسرائيلية توسعية في بلد يعاني حالة من الضعف بعد 14 عاما من التدمير وتآكل المقدرات السورية العسكرية والاقتصادية.
ودخلت أنقرة في محادثات معمقة دعما لدمشق تحت عنوان" تعزيز التعاون الدفاعي" وتدريب الجيش السوري الجديد بعد إعادة هيكلته، وتزويده بمعدات وأسلحة جديدة، وهي خطوات دفعت إسرائيل لإعلان رفضها لهذه التوجهات بدعوى أنها" تشكل خطرا مستقبليا على أمنها"، متهمة حكومة دمشق بأنها" إرهابية"، وقالت إنها لا تثق بها، رغم الطمأنات العديدة التي صدرت عن تلك الحكومة وتمسكها باتفاقية فصل القوات لعام 1974.
واقترب الطرفان التركي والإسرائيلي من صدام عسكري، مع استهداف الغارات الإسرائيلية مواقع عسكرية في مارس/آذار، وسبتمبر/أيلول 2025 وسط سوريا ضمت قاعدة التيفور قرب تدمر بمحافظة حمص، ومطار حماة العسكري، وهما من بين قواعد عسكرية سبق أن تفقدها خبراء أتراك بهدف نشر قوات فيها بناء على اتفاق من المتوقع إبرامه قريبا بين دمشق وأنقرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك