قناة الشرق للأخبار - ترمب يتوعد بضرب إيران.. هل عاد التصعيد أم أنها رسائل ضغط قبل الاتفاق؟ قناة الجزيرة مباشر - Israeli maneuvers in "Eshkol" coincide with plans to expand operations in Gaza قناة الجزيرة مباشر - التوتر يعود إلى الواجهة بين واشنطن وطهران وسط تبادل للضربات والرسائل العسكرية قناة التليفزيون العربي - لماذا يصر ترمب على توجيه ضربة جديدة قوية جدا لإيران؟ قناة التليفزيون العربي - ترمب يضع نفسه وصيا على إسرائيل ويعتبر نفسه سبب بقائها بانوراما فوود - طريقة عمل القرص المبسوسة - خبز التورتيلا | سر الصنعة مع الشيف دعاء السمنودي قناة الجزيرة مباشر - Dr. Hossam Abu Safiya’s lawyer demands the immediate release of his client, asserting that his de... الليوان - مهارات وإنجازات عامر في الـCV 😂- شباب البومب 14 بانوراما فوود - سر الصنعة مع الشيف دعاء السمنودي | القرص المبسوسة قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة: هل تراعي الولايات المتحدة مصالحها ومصالح إسرائيل على حساب مصالح دول المنطقة؟
عامة

من ممرات الصراع إلى ممرات التجارة

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

قبل أيام، عثرت بين صفحات صفراء لمجلة قديمة على مقابلة مطوّلة أُجريت مع محمد بروبي أحد أوائل سائقي قطار الحجاز. كان بروبي، على الرغم من مرور عقود طويلة، لا يزال يتذكر تفاصيل محطات الخط الممتد من دمشق إ...

قبل أيام، عثرت بين صفحات صفراء لمجلة قديمة على مقابلة مطوّلة أُجريت مع محمد بروبي أحد أوائل سائقي قطار الحجاز.

كان بروبي، على الرغم من مرور عقود طويلة، لا يزال يتذكر تفاصيل محطات الخط الممتد من دمشق إلى المدينة المنورة، ومسافاته بالكيلومترات، ومدد الرحلات بين محطاته.

فمن درعا إلى معان، ومن تبوك إلى مدائن صالح، كانت جميع المحطات لا تزال حاضرة في ذاكرته.

وما كان يرويه لم يكن مجرد قصة خط حديدي؛ بل كان حكاية إرادة حضارية عبرت الصحارى، وفكرة كبرى ربطت بين البشر والمدن.

وفي الأيام نفسها التي كنت أقرأ فيها هذه المقابلة، جرى التوقيع في الرياض على مذكرة تفاهم بين تركيا والمملكة العربية السعودية، لتعزيز التعاون في مجال السكك الحديدية والربط الإقليمي.

حينها خطر على بالي أن التاريخ يخرج أحيانا من صفحاته المنسية ليعود ويسير بيننا من جديد، فنحن أمام تطور يشبه عودة القضبان التي صمتت قبل 118 عاما إلى الكلام من جديد.

قد يبدو الاتفاق الموقّع بين تركيا والمملكة العربية السعودية، للوهلة الأولى، اتفاقا تقنيا في مجال النقل، غير أن القضية أكبر بكثير من ذلك.

فالهدف على المدى الطويل هو ربط المملكة العربية السعودية بتركيا، عبر الأردن وسوريا، مع العمل لاحقا على تمديد هذا الخط ليصل إلى سلطنة عُمان والمحيط الهندي.

وكما أوضح وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، فإن هذا المشروع لا يفتح الباب أمام التعاون في مجالي النقل واللوجستيات فحسب، بل يؤسس أيضا لمرحلة جديدة من التعاون في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والتعليم وتنمية الموارد البشرية.

لقد أظهرت الحروب التي شهدتها منطقتنا في السنوات الأخيرة، والأزمات في البحر الأحمر، والاضطرابات التي أصابت طرق التجارة العالمية، مدى الأهمية الحيوية لوجود ممرات نقل بديلة.

ومن هنا، فإن هذا الخط لا يهم البلدين فقط، بل يمثل ممرا استراتيجيا يتعلق بمستقبل المنطقة بأسرها.

غير أن هناك نقطة مهمة ينبغي التشديد عليها بشكل خاص، فمن الخطأ قراءة هذه المبادرة من خلال أحلام رومانسية مرتبطة بإمبراطوريات الماضي، فلا الدولة العثمانية موجودة اليوم، ولا الظروف السياسية التي كانت قائمة قبل قرن من الزمن هي نفسها الآن.

إن هذا التقارب ليس مشروعا إمبراطوريا، بل هو نموذج جديد للتعاون فرضته المصالح المشتركة، والمنافع الاقتصادية المتبادلة، والاحتياجات الاستراتيجية المشتركة.

ففي عالم يتغير بسرعة، وتُعاد فيه صياغة طرق التجارة، وتُعرَّف الجغرافيا السياسية من خلال ممرات النقل، ستكون الدول إما متصلة ببعضها بعضا، أو خارج دائرة المنافسة العالمية، ولذلك فإن الرؤية الجديدة للسكك الحديدية بين تركيا والمملكة العربية السعودية، ليست مشروعا للحنين إلى الماضي، بل مشروع أولئك الذين يريدون بناء المستقبل.

ومن الجوانب اللافتة الأخرى في ذكريات محمد بروبي، أن سكة حديد الحجاز لم تكن مجرد قضبان وقاطرات، ففي العالم الذي كان يصفه، لم تكن القطارات تنقل الركاب فقط؛ بل كانت تنقل الأفكار والتجارة والأخبار، وتؤسس لعلاقات جديدة بين المدن.

وعندما يتحدث عن الاحتفالات التي أُقيمت يوم وصول الخط إلى معان، والقصائد التي أُلقيت، ومظاهر الفرح التي عمّت الناس، فهو في الحقيقة يشرح كيف يمكن لمشروع نقل أن يتحول إلى نهضة حضارية، فالطرق لا تغيّر الجغرافيا فحسب؛ بل تغيّر أيضا نظرة الناس بعضهم إلى بعض، وقد يكون ميناء أو طريق سريع، أو خط سكة حديد أكثر تأثيرا من خطابات سياسية استمرت سنوات طويلة.

قبل قرن من الزمن، رأينا كيف أدى توقف سكة حديد الحجاز إلى تفكك الشرق الأوسط، وابتعاد المدن عن بعضها، وانقطاع طرق التجارة.

أما اليوم فنحن نعيش على العكس تماما زمن بناء الروابط الجديدة.

ففي الوقت الذي تعمل فيه القوى العالمية على إنشاء تحالفات جديدة عبر ممرات الطاقة والموانئ والشبكات الرقمية والسكك الحديدية، بات من الضروري أن تعيد منطقتنا رسم خريطة ارتباطاتها الخاصة.

إن خطا حديديا يمتد من تركيا عبر سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية إلى الخليج، وإلى سلطنة عُمان والمحيط الهندي، لا يمثل مجرد مسار اقتصادي، بل يمكن أن يشكل أيضا العمود الفقري للاستقرار الإقليمي.

فحيث تمر التجارة، غالبا ما ينشأ التعاون لا الصراع.

إن المشهد الذي كان يراه محمد بروبي من نافذة القاطرة، والمشهد الذي يقف أمامنا اليوم، يتشابهان إلى حدّ كبير.

ففي ذلك الزمن كان الناس يندهشون من قدرة القضبان على اختراق الصحارى، أما اليوم فإن الدول تبحث من جديد عن سبل إعادة الاتصال ببعضها بعضا.

تُمدّ خطوط السكك الحديدية من جديد، وتُنشأ ممرات جديدة، وتتشكّل شراكات استراتيجية جديدة.

ولعل أهم درس تتركه لنا قصة سكة حديد الحجاز الممتدة لأكثر من قرن هو كالتالي؛ لقد انتهى عصر السيطرة على الجغرافيا بالقوة.

أما اليوم، فإن من يستطيع ربط الجغرافيا ببعضها بعضا هو من سيكسب، فالطرق التي تربط المدن تقرّب بين الشعوب، والخطوط التي تقرّب بين الشعوب أقوى من الحروب وأكثر دواما من خطوط الحدود.

وهنا يكمن المعنى الحقيقي للخطوة التي أقدمت عليها تركيا والمملكة العربية السعودية.

إنها ليست عيشا في ظل الماضي، بل بناء طريق جديد نحو المستقبل بالاستفادة من قوة التاريخ ودروسه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك