*تتسارع الاستعدادات هذه الأيام لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في ثلاث دول، في حدث يعتبر استثنائياً بكل ما فيه من تفاصيل، بينما تتجه أنظار مليارات البشر نحو تلك التفاصيل، شغفاً وحباً بهذا الحدث الجبار، ويتسارع مع هذا الشغف وفي المقابل، سباق آخر لا يقل أهمية عن أي منافسة رياضية، لكنه للأسف لا يحظَى بالاهتمام ذاته، إنه سباق القيم والأخلاق، الذي يبدو أن البشرية لا توليه الاهتمام ذاته، بل يتراجع يوماً بعد يوم.
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة علمية غير مسبوقة، وازدهاراً متسارعاً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة التي تعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والصحة وسوق العمل برمته وفي كل الاتجاهات، يؤمن كثيرون بأن تطورا كهذا لا بد أن يتزامن مع ارتقاء مماثل في السلوك الإنساني، بهدف تعزيز القيم الإنسانية القائمة على العدالة والتسامح والتكافل، لكن هذا الواقع الذي نعيشه، يشير إلى مفارقة مؤلمة؛ فكلما تصاعدت قدرات الإنسان التقنية، بدا وكأن قدرته على ضبط الجشع والكراهية والعنف تتراجع بصورة كبيرة وكبيرة جداً.
ولعل من سخريات القدر التي نشهدها اليوم، تكمن في اتساع رقعة الحروب في أكثر من مكان، ليصاحبها في ذلك ازدياد واضح في معدلات الجريمة حول العالم، باتت تتخذ أشكالاً جديدة أكثر تعقيداً.
ومع صراع البشر هذا تزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فيما تتنامى النزعات الفردية والمصالح الضيقة على حساب المسؤولية القيمية الجماعية القائمة على تطوير البشرية لذاتها لا لفنون وصنوف اقتتالها وتقتيلها.
وكأن البشرية نجحت في تطوير الآلات ووسائط الرفاهية النخبوية أكثر مما نجحت في حماية وصون منظومتها الأخلاقية.
فهل تحتاج البشرية ذاتها إلى تنظيم كأس عالم للأخلاق ليشكل قطباً نوعياً نحو التبديل والتجديد؟في فلسطين.
تبدو الصورة أكثر قسوة ووضوحاً، فهنا على ما يبدو، لا قيمة للادعاءات المتعلقة بمنظومة القيم الدولية.
كلها سقطت عند أقدام الشعب المكلوم في غزة والقدس وطولكرم وجنين والقائمة تطول.
سقطت في المسافر والمضارب والقرى والمخيمات والشتات وفي كل مربع تشرد إليه الفلسطيني.
ولا يقتصر هذا الحال على حجم الوجع الذي عاشه الفلسطينيون لعقود من عمر قضيتهم، بل يمتد ليشمل حالة العجز عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتراكمة، ليتجاوز ذلك إلى عجز إضافي وواضح عن فرض احترام القانون الدولي نفسه.
فالقرارات والقوانين التي وُضعت لحماية المدنيين ومنع العدوان وضمان الحقوق الأساسية، تبدو عاجزة أمام تجارب الواقع الأليم، فيما تتآكل الثقة بالمؤسسات الأممية التي يفترض أن تكون حارسة للمبادئ التي أنشئت عليها.
إن العالم الذي يستعد للاحتفال بأكبر بطولة رياضية على وجه الأرض، يحتاج حتماً إلى بطولة أخرى أكثر إلحاحاً وأعمق أثراً؛ بطولة تتنافس فيها الدول على ترسيخ العدالة بدلاً من الظلم، وعلى حماية الإنسان بدلاً من تشريده، وعلى احترام القانون بدلاً من انتهاكه.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس من سيفوز بكأس العالم المنتظر، بل متى ستشهد البشرية انطلاق كأس العالم للأخلاق فعلاً؟ ومتى سيصبح للإنسانية معياراً للتقدم والتقدير، كما هي الأهداف والانتصارات في الملاعب؟ فالتاريخ علمنا أن الأمم لا تُعرف فقط بما تبنيه من صروح وما تبتكره من تقنيات، بل بما تحافظ عليه من قيم وما تتركه للأجيال القادمة والبشرية قاطبة من إرث أخلاقي وحضاري.
فهل تصل الرسالة؟ ننتظر ونرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك