نشأت سوريا في نهاية الحرب العالمية الأولى كدولة وطنية حديثة (أو دولة – أمّة) مثل كل مجايلاتها.
تواجه مثل مجايلاتها كذلك تركة الماضي السلطاني المنقضية لتوه، وتحديات الحاضر الاستعماري الذي دهمها على الفور تقريباً، وتتوجه بعسر في محيط يشاركها التعثر والافتقار إلى نموذج إيجابي قريب.
كان يمكن لتركيا أن تكون ذلك النموذج، بوصفها البلد الذي نجح في الحفاظ على وحدته وتجنب الاحتلال الأجنبي، وعمل على تحديث بُناه السياسية والاجتماعية على يد نخبة السلطة القومية ما بعد السلطانية.
لكن، في التجربة المُكونة لسوريا، الانفصال عن المتن التركي للسلطنة، والوقوع تحت الاستعمار، حالا دون ذلك.
وفي التجربة المكونة لتركيا عداء للعرب الذين «خانوا» السلطنة مكنون إلى اليوم في الوعي الذاتي التركي.
تباعد التجربتين المكونتين حكم على التعاون المحدود بين ثائري الشمال السوريين بقيادة إبراهيم هنانو والكماليين بأن يكون حدثاً عارضاً لا يؤسس لشيء باق.
لكن لم يكن في مخيلة النخب الوطنية التي قاومت الانتداب الفرنسي وفاوضته وتعاونت معه غير نموذج الدولة الوطنية التي لا تمييز بين سكانها في الحقوق، وبخاصة بين المسلمين والمسيحيين الذين كان الاستعمار الفرنسي يتذرع بحمايتهم.
يُنسب إلى فيصل الأول شعار: الدين لله والوطن للجميع (في مصر، يُنسب الشعار إلى سعد زغلول)، وهو يضمر في الحالين أن الدولة ليست دينية، أنها لـ»الجميع» على اختلاف أديانهم.
وفي جذر ذلك تحول عالمي حديث، تحدى العالمين كلهم، ودعاهم إلى إعادة هيكلة مواريثهم وواجه مقاومات في كل مكان، بما في ذلك في مهوده الأوروبية.
ومنذ القرن التاسع عشر عملت السلطنة العثمانية بالذات على إعادة ترتيب مؤسساتها وقوانينها وتفكيرها وفق هذه الأسس الجديدة.
التنظيمات كانت اسماً لأكثر من موجة من هذا المسعى.
ولعله بفعل ذلك التدرب السياسي المؤسسي، كان المهد التركي للسلطنة البلد الذي نجح أكثر من غيره في التحول إلى دولة أمة حديثة، لا يغير بنيتها 23 عاماً من حكم حزب شبه إسلامي.
كان واقع السوريين، بالكاد مليونين ونصف قبل قرن، معقداً على مستويات متعددة، جماعات متفرقة، قليلة المشتركات، وبلا دولة جامعة.
سوريا ككل لم تكن دولة تحت الانتداب الفرنسي لأن السيادة فيها كانت للفرنسيين.
وهي قُسّمت ووُحّدت أكثر من مرة قبل أن تستقر على ما يقارب جغرافيتها الحالية عام 1943.
كان محتوى الاستقلال هو السيادة في دولة واحدة يحكمها السوريون، جمهورية وليست ملكية، وطنية وليست دينية.
وبعد الاستقلال، أرادت نخب إسلامية سنّية إقرار بند خاص ينص على أن الإسلام دين الدولة، في دستور 1950، واستقر الأمر على أن يكون ديناً لرئيس الدولة، ما يفترض أن يعني بدوره أن الدولة للجميع، مع امتياز محدد للمسلمين، يتمثل في أن الرئيس منهم، أضيف إليه أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للقوانين.
بعد نحو جيل، وفي الدستور الدائم لعام 1972، ثُبتت المادة نفسها، لكن هذه المرة بعد احتجاجات على إغفالها.
وبين الدستورين انقلابات عسكرية وانتخابات حرة لمرة واحدة ووحدة مع مصر ثم انهيارها، كانت سوريا بمحصلتها آية من آيات انعدام الاستقرار السياسي والمؤسسي.
وهو ما يسوغ القول إن سوريا المستقلة ظلت، رغم الاستقلال، أقرب إلى اللادولة، إن استحضرنا الدلالة الحديثة للدولة، المكنونة في تنويعات أوروبية مختلفة لمفردة State، تتضمن كلها الثبات والاستقرار والاطراد القانوني.
وفي الحقبة البعثية قامت سوريا، أو بالأحرى، تقلبت، على حالة استثناء دائمة، لاغية بدورها للثبات والاستقرار.
لكن التغير النوعي جاء مع الحقبة الأسدية التي ضمنت استقراراً فوقياً، لكن بثمن تطييف الأجهزة الارتكازية للدولة، الأمنية والعسكرية ذات الوظيفة الأمنية، مع دوام حالة الاستثناء، وبالتالي زوال الدولة من اعتبار آخر أهم: لم يعد ثمة قانون، ولا مساواة أمامه ولا خلفه، ولا عمومية تجمع السوريين غير الولاء المفترض للرئيس.
عتبات تماهي السوريين بالدولة تفاوتت بشدة بين „نحن الدولة، ولاك“ وبين درجات متقدمة من الغربة.
البلد الذي كان في تعثر بعد الاستقلال، خرج من التعثر إلى دولة مخصخصة، أي لا دولة، وقد تكرست بتوريث الحكم وإقامة سلالة حاكمة مالكة.
الدولة الحديثة ليست سلطة سيدة فقط، ولا هي مبدأ للقانونية والثبات فقط، وإنما هي وحدها السلطة العمومية الممأسسة: لها دون غيرها سلطة على الجميع والولاء الأعلى للجميع لها (لا لدين ولا لسلالة ولا لثقافة)، ويتشكل هؤلاء الجميع في أمة عبر ذلك.
الحكم السلالي المخصخص، بالمقابل، يضمر مفهوم الدولة العربي القديم: نوبة في الحكم، تقوم على العصبية، و“الملك الطبيعي“، أي الحكم بمقتضى الشوكة والغلبة بعبارة ابن خلدون.
يمكن أن نقول، بالتالي، إننا افتقرنا خلال قرن ونيف إلى الدولة.
مرة لم تكن سيدة، ومرة لم تكن قوة استقرار وثبات، ومرة لم تكن عمومية.
وفي سوريا كما في غيرها من البلدان المستعمرة سابقاً، الدولة شرط تكوّن الأمة كجماعة مواطنين متساوين حقوقياً وناشطين سياسياً، أي كشعب.
انتهى حكم السلالة الأسدية قبل عام ونصف، بعد أقل من العمر الطبيعي لدول العصبيات (هذا المعطى الجزئي من بين ما يظهر عدم ملاءمة نظرية العصبية الخلدونية لتحليل الدولة والمجتمعات في مجالنا اليوم، إلى جانب وجود النظام الدولي، ثم صنعية أو لا طبيعية العصبيات المعاصرة).
الدولة ما بعد الأسدية تجمع بين نقص السيادة (لا تحتكر السلاح وتتدخل في شؤونها الداخلية قوى أجنبية) وبين التقلب المستمر بفعل تناقض المرجعية الدينية للفريق المسيطر غير المتجانس مع التكوين الوطني للدولة، وبين الطائفية والتمييز بين السكان.
عتبات تماهي السوريين المختلفين التي كانت متفاوتة في الحقبة الأسدية متفاوتة اليوم، يشعر البعض أنهم في بيتهم، بينما ترك غيرهم ما بين الغربة والاستباحة.
عتبات تماهي السوريين المختلفين التي كانت متفاوتة في الحقبة الأسدية متفاوتة اليوم، يشعر البعض أنهم في بيتهم، بينما ترك غيرهم ما بين الغربة والاستباحة.
سوى أن طائفيي اليوم يصفون أنفسهم بأنهم الأمة.
أي أمة؟ ليست أمة السوريين، ولا حتى أمة العرب (التي نازع تصورها جدياً وطنية الدولة السورية)، بل الأمة الإسلامية، الجماعة الدينية التي تضم ما لا يحصى من غير السوريين، وتستبعد ملايين السوريين.
ويضيق أصحاب هذه الأمة بفكرة الشعب السوري التي تشكل عنصراً جوهرياً في تصور الدولة الأمة الحديث، إلى جانب الأرض والدولة بحصر المعنى كمركب مؤسسي وحقوقي جامع.
حدث قبل أسابيع أن اعترض أحد المشايخ الدمشقيين، علاء السايق، في خطبة جمعة على شعار „الشعب السوري واحد“، وهاجم العلويين من دون ذكرهم على المنبر.
الشعار الذي رفع في بدايات الثورة السورية ليس غافلاً عن انقسامات السوريين وتمزق مجتمعهم، بل هو بالضبط يصدر عن هذا الواقع، ويحاول أن يضيق على النظام فرص استخدام هذه الانقسامات الطائفية، ويعبر عن إرادة تجاوزه والعيش معاً.
وإلى جانب شعار: اللي بيقتل شعبو خاين! وسوريا لينا ما هي لبيت الأسد! كان ذلك الشعار من تعبيرات الروح الوطنية الشعبية للثورة ضد الحكم الأسدي، وإمكانياً ضد من يفرّقون بين السوريين على أسس طائفية، أو يقتلون مواطنيهم، أو يصادرون سورية لحساب فئة من أهلها.
ربما يقال إن هذا صوت متطرف ناشز، وليس سياسة الحكم اليوم.
ربما ليس سياسة الحكم (هل للحكم سياسة يمكن تبيُّنها في شأن وطنية الدولة وتساوي المواطنين؟ )، لكنه ليس صوتاً ناشزاً أو نادراً.
هناك كثيرون يقولون قوله أو ما يقاربه، ومنهم جميع من يمكن تعريفهم بشعار متخيل: „نحن الأمة، ولاك! “، أعني من يردون على وصف الحكم الراهن بالطائفية بأن السنيين هم الأمة، وليسوا طائفة بين طوائف.
ما يؤسس له هذا التصور ليس بعيداً عن حل صهيوني للتعدد الأهلي السوري: السيطرة على الجغرافيا دون ديمغرافيا، على الأرض السورية كلها، لكن من دون سكان بعض مناطقها، ما يقتضي سياسة تطهير عرقي أو حتى إبادة ربما يحلم بها الشيخ في خطبته الرقيعة.
ويشارك في التكوين نفسه الطائفيون المسعورون الذين أطلقوا حملة „لست شجرة“ لمقاطعة العلويين.
النموذج الضمني هنا هو نظام فصل عنصري، مثل جنوب أفريقيا قبل مانديلا.
وبنظرة شاملة، كانت سوريا بلداً مريضاً طوال معظم تاريخه، بفعل افتقاره إلى دولة تجمع بين السيادة والاستقرار والعمومية.
وهي لا تشفى بدولة فئوية، قوية على الضعفاء وضعيفة أمام الأقوياء.
سوريا ليست أمة، لأنها بلا دولة: سلطة عمومية، لا تميز بين السكان، تضمن الاستقرار والسلم الاجتماعي.
هذه هي مشكلتنا البنيوية المزمنة.
من „نحن الدولة، ولاك“ إلى „نحن الأمة، ولاك“، يستمر انعدام التطابق بين الدولة والأمة، بين مؤسسة الحكم العامة السيدة وبين السوريين العيانيين على اختلاف أصولهم وفصولهم.
لن تشفى سوريا من دون أن تكون الدولة دولة الشعب والشعب شعب الدولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك