«إذا كنت لا تعرف، فالتزم الصمت! وكما قلت سابقاً، فإن الصمت شكل من أشكال الحديث».
بهذه العبارة اختصر الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة فلسفة عميقة في إدارة الأزمات خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 تحت شعار «حوار براجماتي: طريق نحو مستقبل مستقر».
قد تبدو للوهلة الأولى هذه العبارة مرتبطة بأسواق الطاقة، لكنها في الحقيقة تمتد إلى جوهر العمل الاقتصادي وصناعة القرار في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
اللافت في حديث الأمير أنه جاء في زمن أصبحت فيه الثقة الزائدة سلعة رائجة، بينما أصبح التواضع المعرفي نادراً وخاصة في عصر يتّسم بكثرة المجهولات وسرعة التحوّلات.
مرات كثيرة تكون الحكمة الحقيقية ليست في امتلاك كل الإجابات، بل في معرفة متى يجب التوقف عن الادعاء بامتلاكها.
اعتادت الأسواق وعامة الناس أن ينظروا إلى الاقتصاديين وصنّاع القرار على أنهم قادرون على تقديم الإجابات والتوقعات لكل ما سيحدث في المستقبل، لكن الواقع مختلف تماماً.
فكلما ازدادت الأزمات وتشابكت الأسواق وتداخلت السياسة مع الاقتصاد، أصبحت القدرة على التنبؤ أقل، وأصبح الاعتراف بحدود المعرفة أكثر أهمية من ادعاء امتلاكها.
في الظروف الطبيعية تستطيع الحكومات والشركات بناء توقعاتها اعتماداً على البيانات والاتجاهات التاريخية والنماذج الاقتصادية، لكن في لحظات التحوّل الكبرى، كالحروب والأزمات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية والاضطرابات المالية، تتغيّر المعطيات بسرعة تجعل كثيراً من التوقعات عديمة القيمة خلال أيام أو حتى ساعات.
وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق الاقتصادية التي كثيراً ما يتم تجاهلها وهي أن ليست كل المخاطر قابلة للقياس.
فهناك فرق جوهري بين «المخاطر» و«عدم اليقين».
المخاطر يمكن تقدير احتمالاتها، أما عدم اليقين فهو ذلك المجال الذي لا نعرف فيه ما الذي سيحدث، ولا نملك حتى القدرة على تقدير احتمالات حدوثه بدقة.
عندما يقول الأمير عبدالعزيز بن سلمان إنه لا يعلم ما الذي سيحدث بعد نصف ساعة، فهو لا يعبّر عن نقص في المعلومات، بل عن فهم عميق لطبيعة المرحلة.
العالم يعيش اليوم حالة من التحوّلات المتسارعة تجعل أكثر الخبراء والمؤسسات حذراً في إطلاق التوقعات القاطعة.
وهنا يمكن فهم الصمت بوصفه أداة من أدوات الإدارة الاقتصادية.
ففي أوقات الأزمات لا تؤثر الوقائع وحدها على الأسواق، بل تؤثر أيضاً الكلمات والتصريحات والتوقعات.
تصريح واحد غير محسوب قد يرفع أسعار النفط أو يربك المستثمرين أو يخلق حالة من الهلع في الأسواق.
ولهذا فإن الامتناع عن الحديث في ظل نقص المعلومات ليس ضعفاً، بل قد يكون ممارسة مسؤولة تهدف إلى حماية الاستقرار ومنع تضليل الأسواق.
ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من حديث الأمير هو أن النجاح الاقتصادي لا يقوم على القدرة على معرفة المستقبل، بل على القدرة على الاستعداد لمستقبل مجهول، فالاقتصادات الناجحة ليست تلك التي تتنبأ بكل أزمة قبل وقوعها، وإنما تلك التي تبني من المرونة ما يمكنها من التكيّف مع الأزمات مهما كان شكلها.
وهذا ما يفسر كثيراً الاستثمارات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية في البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
فالفكرة لم تكن قائمة على توقع أزمة بعينها، وإنما على بناء اقتصاد أكثر قدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات.
عندما جاءت الأزمات المتلاحقة، من الجائحة إلى اضطرابات التجارة العالمية والتوترات الجيوسياسية، أثبتت هذه الاستثمارات قيمتها الحقيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك