لم تعد سرقات المتاجر ومعدات البناء في أوروبا تُعامل بوصفها جرائم فردية أو عشوائية، بل باتت تمثل جزءاً من منظومة إجرامية منظمة عابرة للحدود، تعمل وفق نموذج تجاري واضح: السرقة في دولة أوروبية، ثم إعادة التوزيع والبيع في دولة أخرى، وأحياناً خارج القارة بالكامل.
وتشير تقارير أمنية أوروبية، من بينها تقييمات صادرة عن وكالة الشرطة الأوروبية يوروبول وتقارير الوكالة الوطنية للجريمة البريطانية، إلى أن ما يُعرف بـ" شبكات السرقة المتنقلة" باتت جزءاً من البنية الحديثة للجريمة المنظمة في أوروبا، مستفيدة من حرية الحركة داخل الاتحاد الأوروبي، وضعف الرقابة على السلع المستعملة، والفجوات بين أنظمة إنفاذ القانون.
تُظهر تحقيقات في بريطانيا وألمانيا وهولندا والسويد أن النشاط لم يعد يقتصر على السطو التقليدي أو سرقة المنازل، بل امتد إلى سلاسل توريد كاملة تشمل المتاجر الكبرى، ومواقع البناء، والمخازن الصناعية.
وفي الدنمارك وحدها، تشير بيانات الشرطة الوطنية إلى ارتفاع ملحوظ في قضايا السرقات المنظمة، حيث أُدين 1376 شخصاً من الجنسية الرومانية عام 2025 بتهم سرقة أو سطو، مع توقع استمرار الارتفاع في 2026 وفق المؤشرات الأولية.
كما تُظهر الإحصاءات الرسمية أن الرومانيين يتصدرون قائمة المدانين في قضايا السرقات الجسيمة، يليهم الأوكرانيون (496)، ثم البولنديون (472)، فيما توزعت بقية الأرقام على جنسيات أخرى بينها العراق (118)، إيران (106)، وبلغاريا (84).
وتشدد الشرطة الدنماركية على أن هذه الأرقام لا تعكس" أفراداً متفرقين"، بل أنماطاً متكررة من العمل الإجرامي المنظم.
وبحسب توصيفات أمنية متكررة، تصل المجموعة إلى دولة معينة، تستأجر مساكن مؤقتة، وتنطلق لتنفيذ عشرات السرقات خلال فترة قصيرة، وتغادر البلاد قبل ربط الجرائم بها.
وتستخدم هذه الشبكات، بحسب تقارير إعلامية، سيارات مستأجرة أو وثائق مزورة، فيما تتولى فرق أخرى نقل المسروقات إلى مستودعات سرية، تمهيداً لإعادة بيعها داخل أوروبا أو تهريبها خارجها.
وتصف الشرطة الدنماركية هذه المجموعات بأنها" وحدات عمليات متنقلة" أكثر من كونها عصابات سرقة تقليدية.
تعد سلاسل البيع بالتجزئة من أبرز ضحايا هذه الشبكات.
ففي الدنمارك، تشير مجموعة سالينغ المالكة لسلاسل بيلكا وفوتيكس ونيتو إلى خسائر تُقدّر بملايين الكرونات نتيجة سرقات منظمة ومتكررة.
وتُعد القهوة مثالاً بارزاً، إذ وثقت الشرطة سرقات تجاوزت قيمتها 100 ألف كرونة خلال أيام فقط، بسبب سهولة تخزينها وإعادة بيعها.
وتقول نائبة مفتش الشرطة الدنماركية بالإنابة، هايدي غراندت أندرسن، من وحدة مراقبة الأجانب في الشرطة الدنماركية، في تصريحات لقناة TV2، إن هذه العصابات تستهدف سلعاً محددة ذات قيمة إعادة بيع مرتفعة وسهلة النقل، مثل شفرات الحلاقة، رؤوس فرش الأسنان الكهربائية، القهوة، الكحول، مستحضرات التجميل، الإلكترونيات الصغيرة، بطاريات الأدوات الكهربائية.
لم تعد الخسائر الكبرى تأتي من المتاجر فقط، بل من مواقع البناء أيضاً، وتقدر اتحادات قطاع البناء في أوروبا أن هذه الجرائم تكلف الصناعة مئات ملايين اليوروهات سنوياً، فيما تشير التحقيقات إلى أن جزءاً كبيراً من المعدات ينتهي في أسواق أوروبا الشرقية والبلقان، أو يُعاد تصديره إلى الشرق الأوسط وأفريقيا عبر شبكات وسيطة.
وتشير تحقيقات بريطانية إلى أن بعض الشبكات أعادت تصدير سلع غذائية واستهلاكية مسروقة عبر وسطاء إلى خارج أوروبا.
من أبرز القضايا الحديثة قضية الروماني زينو غوغولان، الذي صنفته السلطات البريطانية واحداً من قادة شبكات السرقة المنظمة، وكان ضمن قوائم مطلوبين مرتبطة بتعاون أمني أوروبي.
ووفق التحقيقات، ظهر غوغولان في وثائقي بريطاني باعتباره شخصية محورية في سرقات واسعة داخل بريطانيا، قبل أن يستمر نشاطه في دول أوروبية أخرى، وصولاً إلى توقيفه في الدنمارك بعد سلسلة عمليات استهدفت متاجر ومواقع بناء.
وخلال مداهمات لاحقة، عثرت الشرطة على مخازن تحتوي على كميات كبيرة من المعدات والأدوات والمواد الغذائية المسروقة معدّة لإعادة التوزيع.
كما كشفت القضية عن ارتباط أعضاء الشبكة بسجلات جنائية في عدة دول أوروبية بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والسويد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك