يواجه الاقتصاد العالمي تخبطاً حاداً بسبب الحرب الإيرانية واستمرار إغلاق مضيق هرمز أمام تدفق النفط والغاز والسلع الاستراتيجية والتجارية، فيما تحذر مراكز الدراسات الكبرى من تداعياته الشديدة على مؤشرات النمو والتضخم والديون التي قد تمتد إلى سنوات مقبلة.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار المؤقت الذي يسري منذ أوائل إبريل الماضي، تثير التوترات المستمرة التي حدث آخرها خلال اليومين الماضيين مخاوفَ من إمكانية استئناف الحرب، ويضع السيناريوهات الأسوأ على رأس قائمة التوقعات.
ويشرح معهد الاقتصاد والسلام في تقرير نشره الثلاثاء أن وقف إطلاق النار المُعلن في أوائل إبريل مهد لسيناريو وقف إطلاق نار مُطوّل أو جمود، مع إعادة فتح مضيق هرمز جزئياً، لكن مع استمرار المضايقات البحرية الإيرانية وبقاء مخاطر الشحن مرتفعة.
أما السيناريو الثاني، وهو الأشدّ خطورة، فيتصوّر استئناف الحرب، وإغلاق المضيق لمدة ستة أشهر إضافية أو أكثر، وانخراط أطراف إقليمية أخرى بشكل أكبر في الصراع.
في ظل السيناريو الأول، وهو النتيجة الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، تُقدّر خسائر الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2026 بنحو 1.
3 تريليون دولار، أو ما يعادل 0.
6% من الناتج العالمي.
يبدو هذا الرقم متواضعًا مقارنةً بالأزمة المالية العالمية (التي خفضت الناتج العالمي بنحو 3.
5 نقاط مئوية في عامها الأول) أو جائحة كوفيد-19 (انكماش بنسبة 3.
1% في عام 2020).
إلا أن خسائر الحرب الإيرانية لا تتوزع بالتساوي على الاقتصاد العالمي، بل تتركز في عدد قليل من الدول وفئات الدخل الأقل قدرة على تحملها.
في حال استئناف الحرب وفقًا للسيناريو الثاني، سترتفع خسائر الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى نحو 3.
5 تريليونات دولار، وهو ما يتجاوز الصدمة الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية في عامها الأول.
ويبلغ الفارق بين السيناريو الأول والسيناريو الثاني حوالي 2.
2 تريليون دولار.
ويشير مؤشر السلام العالمي إلى أن هذا الرقم يمثل" القيمة الدولارية للدبلوماسية".
ما يميز صدمة عام 2026، وفق المعهد، ليس حجمها الهائل، بل طريقة تفاعل قنوات الاضطراب المتعددة في آن واحد وتعزيز بعضها بعضاً.
فكل صدمة نفطية كبرى سابقة أسفرت عن فائزين في مكان ما.
أما هذه المرة، فتنتشر الصدمة في آن واحد عبر قطاعات الطاقة والغذاء والتجارة والتحويلات المالية والأسواق المالية، حتى إن الدول التي عادةً ما تُعتبر عوامل استقرار إقليمية أصبحت من بين أكثر الدول تضرراً.
وتواجه الدول المتضررة بشكل مباشر، وهي إيران وإسرائيل ودول الخليج، أكبر الخسائر الاقتصادية.
وتنتقل تكاليف الحرب إلى الخارج عبر أربع قنوات رئيسية: أسعار الطاقة، والتجارة وسلاسل التوريد، والأسواق المالية، والتحويلات المالية.
وتشير نماذج من 65 دولة إلى أن كل أسبوع إضافي من الاضطراب يُسبب خسائر في الدخل في الدول النامية لا يُمكن تعويضها لاحقًا.
بدوره، نشر معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أمس الأربعاء ورقة تبحث في الأثر الاقتصادي المحتمل لحرب في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
وتوصلت الورقة إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تمثل صدمة عرض سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمي، لكنها تخلق أيضًا صدمة طلب لأنها تقلل الدخل والثروة.
وبالاجتماع، تغير هاتان الصدمتان أنماط التجارة وهياكل الإنتاج وتبدل تخصيص رأس المال العالمي.
وتستكشف هذه الورقة سيناريوهين، الأول هو صدمة لمدة سنة واحدة النفط يقفز 66% من 72 إلى 120 دولارًا للبرميل، والغاز الطبيعي المسال يتضاعف، والمنتجات النفطية المكررة ترتفع 75%، بينما تنخفض إنتاجية الزراعة 3% بسبب نقص الأسمدة وارتفاع أسعارها.
السيناريو الثاني هو صدمة تمتد ثلاث سنوات: صدمة 2026 نفسها، ثم صدمة إضافية في 2027 تساوي نصفها، ثم صدمة أخرى في 2028 تساوي نصف صدمة 2027.
وتخلص الورقة إلى أن النمو العالمي يتباطأ في كلا السيناريوهين مقارنة بخط الأساس، لكن الآثار تكون متفاوتة جدًّا بين البلدان.
فالبلدان المعتمدة على النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي والأسمدة القادمة من الشرق الأوسط تتعرض لأكبر الانخفاضات في الناتج المحلي الإجمالي وأكبر الزيادات في التضخم.
وحتى بعد انتهاء الحرب، فمن غير المرجح أن تعود أسواق الطاقة العالمية إلى حالتها السابقة، وفق معهد بيترسون.
كما أن استمرار تقويض المؤسسات الدولية، والضرر المعنوي الناتج عن إدارة أميركية أظهرت استعدادًا للتنصل من المعاهدات أو الاتفاقات المفاوض عليها، فضلًا عن إضعاف قدرة منظمة أوبك على استقرار أسعار النفط، سيجعل أسواق الطاقة العالمية تتحمل على الأرجح علاوات مخاطر أعلى في قرارات التسعير وتحديد مواقع الإنتاج بمرور الوقت.
ويقارب التقرير الشهري للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي نشر الثلاثاء، الأزمة من زاوية مختلفة، وهي تزامن ظاهرة النينيو مع اضطراب مضيق هرمز.
حيث يقول الخبراء إن آثار نقص الوقود والأسمدة قد تتفاقم بسبب ظاهرة النينيو" الاستثنائية".
وقد صرحت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بأن مرحلة جديدة من ظاهرة النينيو قد تبدأ في غضون أسابيع قليلة وتتعزز طوال بقية العام وتعتقد بعض وكالات الأرصاد الجوية أنها قد تكون واحدة من أقوى الظواهر التي تم تسجيلها على الإطلاق.
وقال أحد الخبراء لمعهد الموارد العالمية إن هذا من شأنه أن يزيد من مخاطر الجفاف والحرارة وخسائر المحاصيل الإقليمية في أجزاء من العالم، بالإضافة إلى نظام غذائي أكثر هشاشة بالفعل بسبب توافر الوقود والأسمدة وتكلفتها.
ومن المتوقع أيضاً أن يؤثر هذا الحدث على إمدادات الطاقة الكهرومائية والطلب على الكهرباء للتبريد، مما يزيد من الضغط على إمدادات الطاقة في العالم.
وكانت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني عدلت الاثنين توقعاتها للقطاع السيادي العالمي لعام 2026 من" محايد" إلى" متدهور" بسبب تأثير الحرب الأميركية الإيرانية.
والقطاع السيادي العالمي يعني قدرة الحكومات والدول على سداد ديونها والتزاماتها المالية.
وتوقعت الوكالة أن يُضعف الصراع نمو الناتج المحلي الإجمالي، ويرفع معدلات التضخم وعوائد السندات، ويزيد من المخاطر الجيوسياسية.
وعملياً، باعت جهات إصدار السندات السيادية سندات بقيمة 504 مليارات دولار حتى الآن هذا العام، وفقاً لبيانات نشرتها وكالة" بلومبيرغ" الأربعاء.
وهذا الرقم يفوق ما تم بيعه في النصف الأول من عام 2020، عندما كانت الدول تدفع لدعم اقتصاداتها خلال فترات الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك