لا تنفك الوثائق السياسية الليبية (الاتفاقيات) التي أنتجتها عمليات الحوار السياسي، عن الحضور في كل مرة على الرغم من تقادم زمنها.
وكلما برز تعثر في العملية السياسية أو انغلاق أفق هناك من يستدعيها للواجهة، حتى صارت" ترِكة سياسية" ثقيلة يعاد توظيفها وتأويلها لتكرر المراحل الانتخابية (ما يرافق العملية الانتخابية)، لا لتُنهيها.
ما نصت عليه توصيات" لجنة الحوار المهيكل" (منتدى تشاوري وطني أطلقته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بوصفه جزءاً من خريطة الطريق السياسية لمعالجة الأزمات في ليبيا)، والتي أعلنتها البعثة الأممية الأحد الماضي أحدث مثال.
تدعو التوصيات إلى تشكيل" لجنة حوار سياسي موسع" استناداً إلى المادة 64 من اتفاق الصخيرات، الموقع عام 2015 في المغرب، والتي تنص على جواز عقد الحوار السياسي في حالة استثنائية بناء على دعوة أحد الأطراف، إذا حدث أي خرق لبنود ذلك الاتفاق.
ورأى" الحوار المهيكل" أنها الآلية المناسبة لتجاوز العوائق التي يزرعها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة أمام العملية الانتخابية، باعتبار المجلسين من نواتج هذا الاتفاق.
غير أن هذه المادة لم تعد صالحة اليوم، بعد مرور عقد من عمر الاتفاق، في تحديد الأطراف التي يمكن أن تدعو لجنة الحوار إلى الانعقاد.
فالاتفاق نتج من أطراف كانت تعمل في سياق سياسي وزمني محددين لمعالجة نزاعات فترة مضت، واليوم تفرّقَ أعضاء تلك اللجنة، بل وصار بعضهم شخصيات تشارك بشكل أساسي في التعقيد السياسي والقانوني.
بعضهم الآن داخل مجلسي النواب والدولة، فمن الجهة المخولة اليوم بتحديد الأطراف المدعوة لانعقاد تلك اللجنة؟هذا النص الصامت إجرائياً في توصيات لجنة الحوار المهيكل، وكأنه صمم أساساً ليفتح مجالاً للبعثة الأممية حتى تعيد تعزيز موقعها ووجودها في العملية السياسية الليبية، فهي الجهة الوحيدة اليوم التي يمكنها تولي مهمة بناء لجنة للحوار السياسي باعتبار صلاحياتها الأممية بصفتها جهة ميسرة للحوار، لا سيما أن المستجدات السياسية تهدد فاعلية البعثة، خصوصاً بعد فشلها في تحقيق أي اختراق، ما قد يقوّض وجودها، وهي تواجه قرب انتهاء ولايتها في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
هذا الغياب في تحديد صلاحيات من يدعو إلى الحوار وتشكل لجنته، يمنح البعثة فرصة لتعزيز وجودها في تحديد أطراف الحوار ووضع قواعده.
من هنا يمكن القول إن تركة الوثائق السياسية صارت مساحة للتأويل، فبدلاً من أن تكون موادها وسيلة لحل الخلافات داخلها، صارت بمثابة أبواب تفتح المجال لعودة أي طرف، ولو كانت البعثة نفسها، لترسيخ وجودها في العملية السياسية.
عودة لا تعني تمديد فترات الانتقال السياسي فقط، وإنما الأخطر أن الاستناد إلى المادة 64 من اتفاق الصخيرات يعني العودة لإطلاق العملية السياسية من نقطة البداية، وتأجيل الاستحقاق الانتخابي الذي طال انتظاره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك