يمثل نائب رئيس الإدارة الروحية لمسلمي روسيا دامير مخييدينوف اليوم الخميس، أمام محكمة توشينسكي في موسكو، للبت في قضية اتهامه بـ" التحريض على الكراهية أو العداء، وإهانة الكرامة الإنسانية".
وتكتسب القضية أهمية كبيرة نظراً لارتباطها بحسابات معقدة للكرملين، وسط حملة تحريض متعددة الأطراف على الإدارة الروحية بقيادة المفتي راويل غينو الدينوف (المعروف باسم راوي عين الدين) عبر هيئات منافسة على تمثيل مسلمي روسيا، إضافة إلى التيار القومي الروسي المتشدد، وفي ظل ما يقوله مصدر لـ" العربي الجديد" من تحريض تقوده دول عربية تسعى لربط الإدارة، وجزء من قياداتها، بجماعة الإخوان المسلمين.
وعلى الرغم من أن القضية المرفوعة ضد مخييدينوف تعود إلى مطلع العام الحالي، فإن الحكم فيها يكتسي أهمية كبيرة، خصوصاً أنه يأتي بعد اعتقال أكثر من 20 رجل دين منذ مطلع شهر مايو/أيار الماضي يتبعون للإدارة الروحية.
ويوم الاثنين الماضي، كسرت الإدارة الروحية الصمت وأصدرت بياناً ربط بشكل غير مباشر بين حملة الاعتقالات ومحاكمة نائب رئيس الإدارة الدينية، وشدّدت على أن رجال الدين لا يخالفون القوانين الروسية وليس لديهم أي ارتباطات خارجية.
ويُتَهم مخييدينوف بإهانة الروس وطائفة الروم الأرثوذكس، بعدما ظهرت لوحتان معلقتان في مكتبه أثناء لقاء تلفزيوني.
واللوحتان توثقان أحداثاً في القرن 13، الأولى باسم" كالكا" في إشارة إلى انتصار المغول في أول معركة ضد إمارات" كييف روس" عند نهر كالكا (المعروف اليوم باسم نهر كالتشيك في الشرق الأوكراني) وفيها قتل المغول أكثر من 12 أميراً روسياً بعد معارك استمرت لثمانية أيام في عام 1223.
أما اللوحة الثانية فتحمل اسم" بعد معركة سوزدال" وتظهر كيف اجتاح باتو خان (حفيد قائد المغول جنكيز خان) إمارة سوزدال، الواقعة على 200 كيلومتر جنوب شرقي موسكو، ونهبها بعد حرقها في عام 1238.
مصدر: الاعتقالات جزء من عملية مخطط لها مسبقاً بهدف إشاعة الخوف في المجتمع المسلمفي مطلع العام الحالي، وصف نائب مجلس الدوما، ميخائيل ماتفيف، اللوحتين بأنهما" معاديتان لروسيا"، وطلب من مكتب المدعي العام إجراء تحقيق.
كما وصف ممثل الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، فاختانغ كيبشيدزه، اللوحتين بأنهما" استهزاء بالرموز الدينية".
ورغم اعتذار مخييدينوف والتأكيد أن اللوحتين كانتا جزءاً من مشروع تاريخي - تعليمي، ولم يكن لديه أي نية لإهانة الروس أو المسيحيين الأرثوذكس، ولاحقاً تم استبدالهما بلوحة أخرى تُصوّر الحرب الوطنية العظمى (الاسم الروسي للحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945)، إلا أنه تعرض في شهر مايو الماضي إلى غرامة قدرها 150 ألف روبل (أكثر من ألفي دولار) بموجب مادة إدارية تتعلق بانتهاك قانون حرية المعتقد الديني.
ودامير مخييدينوف هو النائب الأول لرئيس الإدارة الروسية الدينية لمسلمي روسيا منذ 2012.
ويشغل منصب رئيس المعهد الإسلامي في موسكو.
ووُلد في غوركي (نيجني نوفغورود حالياً) في عام 1977، وتخرج في جامعة نيجني نوفغورود الحكومية، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، كما تلقى تعليماً دينياً في مدرسة نور الإسلام وفي جامعة أم القرى في مكة.
ويشغل حالياً منصب رئيس المعهد الإسلامي في موسكو، وهو رئيس تحرير دار نشر المدينة، ومدير مركز الدراسات الإسلامية في جامعة سان بطرسبرغ الحكومية.
وفي أغسطس/آب 2025، قضت محكمة مدينة موسكو بأن موسوعة" الإسلام في شمال القوقاز"، الصادرة عن دار نشر المدينة، مادة متطرفة.
وكان مخييدينوف محرراً لهذا العمل.
وحينها، أفادت الإدارة الدينية لمسلمي روسيا بأن القرار اتُّخذ بسبب مقالتين بعنوان" الوهابيون في شمال القوقاز" و" تاريخ الإسلام في الشيشان"، وردت فيهما إشارات إلى" شخصيات وتجمعات متورطة في نشاطات إرهابية".
ورداً على لائحة الاتهامات الموجهة لمخييدينوف، ذكرت الإدارة الروحية في بيانها، الاثنين الماضي، أن أنشطتها" تستند إلى الأساس الأخلاقي للدين الإسلامي والقوانين الروسية"، نافية تورطها في" التطرف والراديكالية والنفوذ الأجنبي والكراهية العرقية".
وشدّدت الإدارة على أن محاولة تقديمها مصدراً للتطرف" لا تخدم حماية المجتمع، بل تعمل على إثارة عدم الثقة بين مؤسسات الدولة والمؤمنين.
كما تقوّض الوحدة الداخلية والثقة في المؤسسات الدينية التقليدية"، وبالتالي تلبي مصالح معارضي روسيا.
وحذّر بيان الإدارة من زيادة خطر التوتر المجموعات الإثنية والدينية بسبب" تحويل الأحداث الفردية المثيرة للجدل من الواقع الحالي إلى حملة لتشويه سمعة المؤسسة الدينية التقليدية للمسلمين الروس".
وخلص البيان إلى أن" مثل هذه الحملة تقوض الثقة في المنظمات الدينية العاملة بشكل قانوني، وتشتت انتباه الوكالات الحكومية عن التهديدات الحقيقية".
وفي مؤشر إلى التوتر الشديد مع السلطات، أعادت الإدارة الدينية، التي أبصرت النور في 1994، التأكيد أنها" تضم في عضويتها رجال الدين المسلمين، والمنظمات الدينية المحلية والمركزية، والمؤسسات التعليمية، بما فيها مؤسسات التعليم العالي المانحة للشهادات الحكومية، والمراكز الثقافية والتعليمية في أكثر من 60 كياناً من كيانات روسيا الاتحادية".
وشدّدت على أنه" وفقاً لتعاليم الإسلام وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإننا مدعوون إلى العيش في وئام مع ممثلي الشعوب والأديان الأخرى، الذين نتشارك معهم الوطن والولاء له.
ندافع عن حدودها، ونسعى لتحقيق الصالح العام، ونمنع الفساد والظلم، ونتمسك بالقيم الأخلاقية، ونحذر من الشر".
ولفتت إلى أن" مصالح الإدارة الروحية، ومصالح الجالية المسلمة في روسيا الاتحادية، التي يبلغ تعدادها 25 مليون نسمة، تتوافق جوهرياً مع مصالح الدولة ومبادئ التشريعات السارية".
من بين رجال الدين المستهدفين، دامير مخييدينوف ورايل أساينوف ووسام علي البردويل ونضال الشيخ ومحمد هنّيوأُلقي القبض الشهر الماضي على عدد من كبار رجال الدين المسلمين، وفقاً لتقارير متداولة في مدونات ووسائل إعلام موالية للحكومة.
وسلطت الاعتقالات على الانقسامات الحادة بين القيادات الإسلامية في روسيا.
ومن بين رجال الدين المستهدفين، رايل أساينوف (المعروف دينياً باسم الشيخ عبد المالك أساينوف)، مفتي جمهورية موردوفيا الفولغا، ورئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في روسيا، وسام علي البردويل، وهو داعية إسلامي من أصول فلسطينية يحمل الجنسية الروسية.
ينتمي الرجلان إلى مجلس مفتي روسيا، وهو منظمة يرأسها المفتي العام راويل غينو الدينوف، المعروف بتنافسه مع مفتي روسيا الآخر، طلعت تاج الدين.
ويرأس غينو الدينوف وتاج الدين هيئتين مركزيتين متنافستين للمسلمين في روسيا.
وينظر إلى الإدارة الروحية المركزية للمسلمين في روسيا، التي يرأسها تاج الدين، على أنها أقرب إلى الكرملين.
في الشهر الماضي، أصدرت محكمة تاغانسكي في موسكو حكماً بالسجن 15 يوماً على وسام علي البردويل، بتهمة عصيان أوامر الشرطة.
وحسب السلطات رفض البردويل طلب الشرطة إبراز هويته في مطار شيريميتيفو بموسكو قبل أن يحاول الفرار.
وفي العاشر من مايو الماضي، اعتُقل الرئيس السابق لـ" الجالية المسلمة في الشمال الغربي"، محمد هنّي، وهو من أصول جزائرية ويقيم في روسيا منذ عام 1989، بتهمة المشاركة في أنشطة" جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية"، وفق جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (أف أس بي).
كما أُلقي القبض على قريبته ريغينا هني، ونائب مفتي منطقة ساراتوف نضال الشيخ (من أصول فلسطينية)، وعالم الدين الإنغوشي أحمد تانغييف، وأربعة آخرين من أصول عربية.
وقال مصدر مطلع على قضية الاعتقالات في الشهر الماضي لـ" العربي الجديد"، إن" الاعتقالات جزء من عملية مخطط لها مسبقاً بهدف إشاعة الخوف في المجتمع المسلم وتشويه سمعة المؤسسات التي يقودها المفتي غينو الدينوف".
وربط المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، الحملة بمواضيع مختلفة من ضمنها" معارضة مجلس المفتين (الإدارة الروحية) لمشروع قانون يحظر التجمعات والشعائر الدينية في المباني السكنية، وهو مشروع قانون يناقش حالياً في مجلس الدوما (البرلمان) الروسي".
وأوضح أن" القانون ينطلق من ضرورة أن تنظم المراسم والتقاليد الإسلامية مثل حفلات الزفاف الإسلامية وتسمية المواليد، والجنازات في المساجد حصراً".
ومع إشارته إلى أن القانون مستحيل التنفيذ بسبب قضايا لوجستية ونقص المساجد والمصليات في روسيا، لفت المصدر إلى غضب الكرملين على الإدارة الروحية بقيادة غينو الدينوف جاء بعدما رحب المفتي الآخر تاج الدين بالقانون.
ولم يستبعد المصدر أن تكون الاعتقالات بحق عدد من رجال الدين من أصول عربية، وقدّرهم بنحو سبعة: " جاءت بتحريض من دول عربية، وعلى خلفية الحملة ضد الإخوان من الأجهزة المصرية والإماراتية على وجه التحديد".
وشكّك المصدر في مزاعم الأجهزة الأمنية بأن المعتقلين لهم صلات بجماعة الإخوان المسلمين.
وقال" جماعة الإخوان محظورة في روسيا منذ 2003، وتعد حسب القوانين الروسية منظمة إرهابية، ومن التهور الانتماء لها"، لافتاً إلى أن" بروز أسماء رجال دين من أصول فلسطينية وإلصاق تهم تتعلق بالإخوان وحماس، ربما كانت وسيلة لمنع أي حركة تعاطف مع الأئمة المعروفين بانفتاحهم وعلاقاتهم الجيدة مع مسلمي روسيا منذ سنوات طويلة".
ورغم دعمه للحرب على أوكرانيا، وإعلان ولائه للكرملين في جميع المناسبات الوطنية والدينية المسيحية والإسلامية، يبدو أن الاستهداف موجه في جزء منه لرئيس الإدارة غينو الدينوف الذي تولى المهمة منذ تأسيسها في عام 1994.
الإدارة الروحية: أنشطتنا تستند إلى الأساس الأخلاقي للدين الإسلامي والقوانين الروسية ولم نتورط في التطرف والراديكالية والنفوذ الأجنبي والكراهية العرقيةورغم إظهارها الولاء للسلطات الروسية، فإن الإدارة الدينية لمسلمي روسيا وهياكلها الأخرى كانت حتى وقت قريب تحتفظ بدرجة من الاستقلالية عن سياسة الكرملين، وفي الوقت ذاته، فإن غينو الدينوف دعم العمال المهاجرين القادمين إلى روسيا، وانتقد تصرفات أجهزة إنفاذ القانون الفظة معهم.
ومن غير المستبعد أن تهدف الاعتقالات إلى موقف أكثر دعماً للكرملين.
وبدا ان التراكمات السلبية دفعت الكرملين إلى الطلب من السلطات الأمنية تحريك الموضوع وشن هجوم على الإدارة الدينية، ورئيسها، وتجاهل دعمه للتعبئة الجزئية في خريف 2022، وتوقيعه اتفاقات لإعادة دمج المقاتلين السابقين في الحياة العامة.
ومن أهماعتراضات الكرملين على غينو الدينوف الدفاع عن الأجانب بعد الهجوم على قاعة كروكوس سيتي هول في موسكو في عام 2024.
وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، انتقد غينو الدينوف، بشدة سياسات الكرملين تجاه الإسلام.
وزعم أن الدولة تقاوم توحيد المسلمين وتسعى إلى" سحق الإسلام".
وفي سبتمبر/أيلول 2016، قال غينو الدينوف، في اجتماع لمجلس المفتين الروسي، إن" بعض أفراد الشعب والحكومة لا يرغبون برؤية أي مظاهر للثقافة الإسلامية في مناطقهم، مما أدى إلى احتجاجات ضد بناء المساجد".
وفي مايو الماضي وجه غينو الدينوف رسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوضح فيها موقف الإدارة الروحية للمسلمين في الاتحاد الروسي بشأن مشروع القانون الاتحادي رقم 1149587-8 بشأن تعديل المادتين 16 و24 من القانون الاتحادي" بشأن حرية الضمير والجمعيات الدينية"، والمادة 17 من" قانون الإسكان في الاتحاد الروسي".
غينو الدينوف: بعض أفراد الشعب والحكومة لا يرغبون برؤية أي مظاهر للثقافة الإسلامية في مناطقهمحظر ممارسة الشعائر الدينية في روسياويحظر هذا القانون ممارسة الشعائر الدينية في الأماكن غير السكنية بالمباني السكنية والمباني الملحقة بها.
أما بالنسبة للأماكن السكنية بالمباني السكنية، فيقتصر القانون على تلبية الاحتياجات الروحية الفردية للمقيمين المسجلين.
وهذا يعني أن الصلاة في الشقق ستكون حكراً على المقيمين المسجلين فقط، بل قد تُعتبر الصلاة مع الأقارب أو الأصدقاء أثناء الزيارة غير قانونية.
كما يحظر القانون أي نشاط دعوي في هذه الأماكن، إذ تُعتبر صلاة الجماعة بمثابة" تبشير" إذا كان أي من الأقارب أو الضيوف الحاضرين يدين بدين مختلف.
ولفت غينو الدينوف إلى أن إقرار هذا القانون قد ينتهك الحقوق الدستوريةللمواطنين في حرية الدين، وقد تلقى الأئمة والجمعيات الدينية في العديد من مناطق روسيا بلاغات قلقة بشأن هذا القانون.
وأكد غينو الدينوف أن الشعائر الدينية الإسلامية وطقوس مراحل الحياة جماعية، تشمل دائرة واسعة من الأهل والأصدقاء.
وفي مسعى للتأثير، أشار المفتي في رسالته إلى أنه" طالما اعتمدت الجماعات الدينية في روسيا، على مرّ القرون، على الاحتفال الجماعي المشترك بطقوس مراحل الحياة، حتى في منازلهم.
واليوم، تُستكمل هذه الطقوس بفعاليات اجتماعية لدعم العمليات العسكرية الخاصة.
ويأتي قدامى المحاربين في المنطقة العسكرية السوفييتية، وأفراد أسر الجنود المجندين، والمتطوعون يومياً إلى أماكن المنظمات الدينية، سواء كانت مملوكة لهم أو مستأجرة، لأداء الصلوات الجماعية.
كما تُقام في هذه الأماكن نفسها مراسم تأبين للشهداء".
ولفت المفتي في رسالته إلى نقص دور العبادة الإسلامية، مسلطاً الضوء على مشكلة نقص البنية التحتية الإسلامية في المناطق الروسية، محذراً من أن القيود التي يقترحها القانون قد تُصبح أحد أسباب التطرف الديني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك