بين برن وبروكسل، تمرّ العلاقات بمرحلة دقيقة ظهرت فيها مؤشّرات سلبيّة عديدة.
إذ يثير تقلّب المواقف عند كل طرفٍ مخاوف الطرف الآخر.
فما الذي يحدث؟ في هذا المقال نتطرّق بالتحليل لكلّ أبعاد الأزمة.
الوضع أشبه بحالة طوارئ في البحر؛ فإذا أُعطيت الأولويّة لعمليّة إنقاذٍ ما، تأجَّلَت كلُّ ما عداها.
وفي هذه الحالة، يُطلق خفر السواحل نداءً بالصمت، وهو نداءُ استغاثةٍ يُصطلح عليه بالإنجليزية (Mayday Silence).
ويعني هذا توقّف الاتّصالات اللاسلكية تمامًا، ويجب على كلّ من ليس له علاقة مباشرة بعملية الإنقاذ التزام الصمت.
وعلى نحو مماثل، يسري الاتّفاق بين الحكومة السويسرية والمفوضية الأوروبية إلى حين التصديق على حزمة الاتفاقيات الجديدة من قبل برلمانَيْ كلِّ طرف.
ويجب ألّا يتدخّل أيّ شيء في مسارها.
وقد اتّفقت سويسرا والاتّحاد الأوروبي على هذه النقطة في يونيو 2025.
وورد في البيان المشتركرابط خارجي: “نظرًا لحساسية عملية التصديق، يتعيّن على الطرفين دعم إنجاح هذه العملية مع تعزيز علاقاتهما الثنائية”.
وفي العام الماضي، تمّ التوقيع على هذا البيان رسميًّا من قبل وزير الخارجيّة السويسري، إنياتسيو كاسيس، وكبير دبلوماسيي الاتّحاد الأوروبي، ماروش شيفوفيتش.
كما يلتزم الاتّحاد الأوروبي وسويسرا بالتعاون الوثيق، وبالعمل “بحسن النيّة”.
وكان الطريق الموصِل إلى هذا الاتّفاق محفوفًا بالعقبات؛ فقد استغرق 13 عامًا وشهد مائتي جولة تفاوض، تخلّلها انقطاعٌ حدث في عام 2021، أوقفت خلاله الحكومة السويسرية المفاوضات، وردّ عليه الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات عقابية.
ومن هذا المنطلق، كان من الطبيعيّ حرص الوفود المفاوضة على سير هذا الاتفاق المعقّد بسلاسة حتى إتمامه، بمنأى عن أيّ مناوراتٍ تهدف إلى التعطيل.
في شهر مارس، أحالت الحكومة الفدرالية الحزمة إلى البرلمان.
وستناقشها الغرفتان في وقتٍ لاحق من هذا العام.
وسيُنظّم استفتاءٌ خلال عام 2027 أو بعده.
ويدور النقاش السياسي الحالي حول كيفية تصويت المواطنين والمواطنات: هل سيكون التصويت على الحزمة بأكملها أم على فصولها كلٌّ على حدة؟وإلى جانب ذلك، تبرز مسألةٌ مثيرة للجدل تتعلّق بما إذا كان التصويت يتطلّب أغلبية الكانتونات أم أغلبيةً بسيطة من المواطنين والمواطنات، كما تقترح الحكومة السويسرية.
ومن أجل توضيح هذه النقطة تحديدًا، أُطلقت مبادرةٌ شعبية تُعرف باسم «مبادرة البوصلة».
أما من جانب الاتحاد الأوروبي، فقد سارت العمليّة بوتيرة أسرع.
ففي شهر فبراير، وافقت الدول الأعضاء السبع والعشرون على جميع الاتفاقيات.
كيف يتدخل الاتحاد الأوروبي؟ومع ذلك، اتّخذ الاتّحاد الأوروبي في أبريل إجراءين يثيران قلقًا في سويسرا.
فأولًا، قدّم اقتراحًا ينصّ على حصول العمّال والعاملات عبر الحدود الذين فقدوا وظائفهم في سويسرا على إعانات بطالة سويسرية.
وبالإضافة إلى ذلك، يتعيّن على البرلمان الأوروبي المصادقة على هذا القرار رسميًّا.
وترى أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية أنّ تحميل سويسرا كلفة هذه الإعانات قد يكلّف البلاد ما يصل إلى 900 مليون فرنك سويسري سنويًّا.
وثانيًا، وعلى خلاف الدول الأعضاء في المنطقة الاقتصادية الأوروبية، لم يُعفِ الاتّحاد الأوروبي سويسرا من الزيادة في الرسوم الجمركية الجديدة المفروضة على الصلب.
فبدلًا من النسبة السابقة البالغة 25%، سيتعيّن على سويسرا، اعتبارًا من شهر يوليو، دفع رسوم جمركية بنسبة 50% على صادراتها التي تتجاوز حصّةً معيّنة.
وقد أثار هذا الوضع قلق صناعة الصلب السويسرية، التي تندّد بما تصفه بأنه «حظرٌ ضمنيّ على الصادرات».
بحزم.
ففي تصريح أدلى به للإذاعة السويسرية الناطقة بالألمانية (SRF)، قال: «لقد قلتُ للاتّحاد الأوروبي إننا نعاني أصلًا من مشكلات في قطاع الصلب، فإذا بنا نفاجأ بهذا العبء الجديد المرتبط بإعانات البطالة.
ويتزامن هذان الإجراءان مع الخطة المطروحة حاليًّا للنقاش في البرلمان.
ولا يسعني إلا أن أقول إن هذا لا يساعدنا بشيء».
كيف سيكون رد فعل الحكومة الفدرالية؟تعتزم الحكومة الفدرالية إخطار اللجنة المشتركة بمسألة إعانات البطالة للعمّال والعاملات عبر الحدود داخل الاتحاد الأوروبي.
وكما يقول الدبلوماسيون والدبلوماسيات، يُعدّ هذا الإجراء بمثابة أول اختبار لآلية تسوية النزاعات بين سويسرا والاتحاد الأوروبي، أو لتفسير الاتفاقات عند الحاجة.
ويقول بارملان: «من المرجّح أن تشهد اللجنة المشتركة مناقشات صعبة حول هذا الموضوع».
غير أنّ الجدول الزمني الذي اعتمده الاتحاد الأوروبي كان، على الأرجح، مجرّد صدفة.
وتقول أستريد إيبيني، أستاذة القانون الأوروبي: «هذا الاقتراح مطروح للنقاش داخل الاتحاد الأوروبي منذ سنوات عديدة، وقد توصّلت الدول الأعضاء الآن إلى اتفاق بشأنه».
وتشمل هذه اللائحة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولذلك تنطبق أيضًا على دول تضمّ أعدادًا كبيرة من العمّال والعاملات عبر الحدود، مثل لوكسمبورغ وألمانيا.
أما في ما يتعلق بالنزاع بشأن الرسوم الجمركية على الصلب، فقد صرّح الرئيس السويسري غي بارملان قائلًا: «هذا غير مقبول.
يجب إيجاد حلول والتوصّل إلى تسوية مقبولة بالنسبة إلى سويسرا».
ثم استشهد الرئيس الفدرالي السويسري صراحةً بـ«الإعلان المشترك بشأن التعايش خلال الفترة الانتقالية».
وقال في حديثه للإذاعة: «اتفقنا على أنه ما دام الشعب لم يُبدِ رأيه بشأن حزمة الاتفاقيات، فلا ينبغي طرح أي مسألة جديدة من شأنها إثارة الشكوك أو الجدل.
لكننا نشهد اليوم طرح مسألتين حسّاستين الواحدة تلو الأخرى».
يدرك الاتحاد الأوروبي ذلك.
لكن في كل مرة، يتحوّل الأمر إلى اختبارٍ للصبر.
فلا شيء، ولا حتى توقيعٌ حكومي، يُعدّ نهائيًا في سويسرا ما لم تُقَل الكلمة الأخيرة.
وهذه الكلمة تعود إلى الشعب.
ومن جهة، يتعلّق الأمر بالاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الأوروبي.
لكنه يتزامن أيضًا مع حملة استفتائية تشهدها سويسرا بشأن مبادرة حزب الشعب السويسري المحافظ، المعنونة بـ«لا لسويسرا ذات العشرة ملايين نسمة».
وتهدّد هذه المبادرة مبدأ حرية تنقّل الأشخاص، وإن كان ذلك على المدى الطويل.
وإذا وافق عليها الشعب، فستضطر سويسرا إلى اتخاذ إجراءات تمسّ حرية تنقّل الأشخاص للحدّ من الهجرة القادمة من الاتحاد الأوروبي.
لكن هل سيكون ذلك مجرد حلّ أخير؟ لقد أثار تصريح أدلى به المستشار الفدرالي بيت يانس تساؤلات حول هذه المسألة.
ويشغل يانس منصب وزير العدل السويسري، ويتولّى معارضة المبادرة باسم الحكومة الفدرالية.
وفي برنامج «أرينا» الذي تبثّه هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية الناطقة بالألمانية، صرّح بأن سويسرا ستضطر إلى إعادة النظر فورًا في سياسة حرية تنقّل الأشخاص إذا صوّت الشعب بـ«نعم».
وقال نصًّا: «إن إلغاء حرية تنقّل الأشخاص منصوص عليه في الدستور.
وبمجرد بلوغ عتبة العشرة ملايين نسمة، لن يبقى هناك مجال للتفسير.
لكن علينا إيجاد حل لهذه المسألة قبل الوصول إلى تلك المرحلة، لأننا سنكون ملزمين باتخاذ إجراءات تحول دون بلوغها.
فعلى سبيل المثال، قد نضطر إلى القول للأوروبيين والأوروبيات القادمين للعمل هنا إنه لن يُسمح لهم باستقدام عائلاتهم».
وأشار إلى أنه سيشرع فورًا في اتخاذ خطوات لتقييد حرية تنقّل الأشخاص إذا تمت الموافقة على مبادرة حزب الشعب.
وقد يتجسّد ذلك، على سبيل المثال، بتعليق برنامج لمّ شمل الأسرةرابط خارجي لفائدة المهاجرين، والمهاجرات، الجدد.
وكان هذا التصريح موجهًا بوضوحٍ إلى جمهور وطني، إذ أضاف قائلًا: “بهذا، نحن نعرّض مقاربتنا الثنائية بكاملها للخطر”.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل كان هذا التصريح مدروسًا جيدًا من منظور السياسة الخارجية؟ وعلى أي حال، فإن نص المبادرة لا يدعو إلى أي تقييد فوري لحرية تنقّل الأشخاص.
لكن إذا تمت الموافقة على مبادرة «لا لسويسرا ذات العشرة ملايين نسمة» في 14 يونيو، فسيرغب الاتحاد الأوروبي في معرفة ما يمكن توقّعه من سويسرا بشأن هذه الحرية.
وفي هذا الصدد، تقول الخبيرة في الشؤون الأوروبية أستريد إيبيني: «على الصعيد الرسمي، لن يكون هناك على الأرجح أي رد فعل.
لكن هذا لا يعني أن الاتحاد الأوروبي لن يتابع الوضع عن كثب».
كيف يرد الاتحاد الأوروبي؟طرح موقع «سويس إنفو» (SWI Swissinfo.
ch) سؤالين على سفارة الاتحاد الأوروبي في برن.
أولًا، ما موقف الاتحاد الأوروبي من اتهام الرئيس السويسري غي بارملان له بالتصرّف بسوء نية؟ وثانيًا، ما موقف الاتحاد الأوروبي من تصريح وزير العدل بيت يانس، الذي قال فيه إنه تعتزم سويسرا تعليق برنامج لمّ شمل الأسرة لمواطني الاتحاد الأوروبي ومواطناته، في حال تمت الموافقة على مبادرة حزب الشعب؟ولم ترد بعثة الاتحاد الأوروبي في سويسرا على أيٍّ من السؤالين.
كما لم يعلّق المتحدثون باسم المفوضية الأوروبية في بروكسل على استفسارات صحيفة «نويه تسورخر تسايتونغ» بشأن الرسوم الجمركية على الفولاذ.
ومن ذلك، هل يمكن الاستنتاج أن زمن الكلمات والودّ قد ولّى؟ هذا أحد التفسيرات.
أمّا أستريد إيبيني، الخبيرة في شؤون الاتحاد الأوروبي، فتقدّم تفسيرًا آخر بقولها: «عادةً لا تعلّق المفوضية الأوروبية على النقاشات السياسية الوطنية، وهذا ينطبق أيضًا على الدول الأعضاء».
فلا يُصار إلى التعليق إلا عند وقوع مشكلة حقيقية.
ومن هذا المنظور، تكمن المشكلة في الوقت الحالي أساسًا في جانب واحد فقط، هو جانب من يتناول الكلام.
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك