لم يكن أحد يتوقع أن تكون الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، سببًا في انتعاش قناة السويس.
غير أن عوامل الجغرافيا السياسية كثيرًا ما تأتي بواقع تفرضه التطورات ثم تعيد توجيهه في ظل الظروف والنتائج الجديدة.
ونقل موقع المونيتور الأمريكي عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيانات تفيد عبور 529 ناقلة نفط لقناة السويس في أبريل الماضي، بارتفاع 28% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وشمل الارتفاع إجمالي حركة المرور؛ إذ بلغت السفن من جميع الأنواع 1182 وحدة، بزيادة 14% على أبريل 2025.
والأهم من ذلك أن إيرادات القناة بلغت 419 مليون دولار في الشهر ذاته، بنمو 27% على أساس سنوي، وهو أعلى رقم شهري منذ مطلع عام 2024.
يقع مضيق هرمز عند ملتقى الخليج العربي وبحر العرب، ويمر عبره نحو خمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
منذ اندلاع الحرب، أغلق الحرس الثوري الإيراني الممر عمليًا بهجمات على السفن التجارية، في حين فرضت الولايات المتحدة حصارًا على الموانئ الإيرانية، ما أدى إلى انهيار حركة العبور بنسبة تجاوزت 70% خلال أسابيع قليلة.
وقد دفع هذا الواقع منتجي الطاقة الخليجيين، ولا سيما السعودية والإمارات، إلى الاعتماد على شبكات الأنابيب البرية التي تتجاوز هرمز وتصل إلى محطات تصدير على البحر الأحمر وخليج عمان، ومنها تتجه الناقلات نحو السويس.
سياق إقليمي لا يمكن تجاهلههذا الارتفاع يبدو مبهجًا في ظاهره، لكنه لا يمحو سنوات من الخسائر المتراكمة.
فمنذ أواخر عام 2023، حين بدأ الحوثيون المدعومون من إيران في استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر ردًا على حرب غزة، انهارت حركة العبور عبر السويس؛ فمن نحو 2300 سفينة في أبريل 2023 إلى 1182 في أبريل 2026.
وتقدر هيئة قناة السويس الخسائر التراكمية في الإيرادات المحتملة بما لا يقل عن 9 مليارات دولار جراء تلك الاضطرابات.
تشكل إيرادات قناة السويس، البالغة نحو 4 مليارات دولار سنويًا في أوقات الاستقرار، مصدرًا جوهريًا للنقد الأجنبي الذي تشح موارده منذ أزمة 2022، حين فقد الجنيه المصري أكثر من نصف قيمته، وتراجعت الاحتياطيات، وتصاعد التضخم في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية وما أعقبها من صدمات.
ورغم أن البرنامج الإصلاحي المدعوم من صندوق النقد الدولي أسهم في استقرار الاقتصاد، فإن هذا الانتعاش في إيرادات القناة يأتي في لحظة تحتاج فيها مصر إلى كل دولار إضافي لترسيخ مكاسبها الاقتصادية.
رسوم جديدة على طريق الانتعاشفي توقيت لافت، أعلنت هيئة قناة السويس رفع رسوم العبور لأول مرة منذ ثلاث سنوات، على أن تسري اعتبارًا من الخامس عشر من يوليو المقبل.
وتتفاوت الزيادات بحسب نوع السفينة؛ إذ ترتفع رسوم ناقلات النفط الخام من 25% إلى 37%، وتقفز رسوم السفن الجافة من 10% إلى 22%، فيما تتضاعف رسوم ناقلات الغاز الطبيعي المسال من 20% إلى 32%.
قد تُحسّن هذه الزيادات الإيرادات إن استمرت وتيرة الحركة الحالية، لكنها قد تُثبّط بعض الشركات عن اختيار هذا الممر إذا تحسنت الأوضاع في هرمز أو استمر تحويل المسارات نحو رأس الرجاء الصالح.
مفارقة الجغرافيا والتاريخثمة مفارقة عميقة في هذا المشهد: فإيران التي كانت تمول الهجمات الحوثية التي أضرت بقناة السويس لأشهر طويلة، باتت اليوم — عبر انغلاق هرمز — المحرك الرئيسي لعودة الحياة إليها.
الجغرافيا لا تعرف العدالة الشعرية، لكنها تُتقن إعادة توزيع الأدوار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك