«الخوف من المعاناة أسوأ من المعاناة نفسها»، «لا تستسلم لمخاوفك، وإلا فلن تستطيع الإصغاء إلى قلبك»، «حيث يكون قلبك، هناك ستجد كنزك»، هذه الاقتباسات لواحد من أهم وأشهر مبدعى العالم فى فن الرواية، باولو كويلو، صاحب «الخيميائى»، هذا الروائى العبقرى كنت قد قرأت فى مقال جملة عابرة عن رفض أهله لرغبته فى العمل ككاتب، فقررت البحث عن القصة، فوجدت أن الرفض قد وصل من الأهل لاحتجازه فى مصحة نفسية للعلاج! ، أنقل لكم ما رواه Paulo Coelho فى مقابلاته وسيرته الذاتية، بدأت القصة عندما كان فى السابعة عشرة من عمره، كان شغوفاً بالأدب والمسرح والكتابة، بينما كانت أسرته الكاثوليكية المحافظة تنظر إلى هذه الطموحات باعتبارها علامة على اضطراب أو انحراف عن الحياة الطبيعية، كان والده مهندساً ويريد له مستقبلاً مستقراً، إما الهندسة أو المحاماة، أما هو فكان يصر على أنه يريد أن يكون كاتباً، يقول «كويلو» إنه كان منطوياً أحياناً، يرفض بعض القواعد الاجتماعية، ويقضى وقتاً طويلاً فى القراءة والكتابة والتفكير، بالنسبة له كان هذا تعبيراً عن شخصيته، لكن والديه شعرا بالقلق، خصوصاً عندما أصبح أكثر تمرداً على المدرسة والأسرة، وفى أحد الأيام أخذاه إلى طبيب نفسى، ثم أُدخل إلى مؤسسة للأمراض النفسية، وصف «كويلو» صدمته عندما وجد نفسه خلف أبواب مغلقة مع مرضى يعانون اضطرابات شديدة، بينما كان مقتنعاً بأنه ليس مريضاً عقلياً.
حاول الهرب أكثر من مرة، ونجح بالفعل فى بعض المحاولات قبل أن يُعاد إلى المستشفى.
وقد روى أنه خضع لعلاجات كانت شائعة فى ذلك العصر، منها العلاج بالصدمات الكهربائية، وهى التجربة التى بقيت محفورة فى ذاكرته سنوات طويلة، كان أكثر ما يؤلمه، كما قال لاحقاً، ليس العلاج نفسه فقط، بل شعوره بأن أقرب الناس إليه لا يفهمونه، كان يرى أن جريمته الحقيقية هى أنه أراد أن يعيش حياة مختلفة ويصبح كاتباً، ولهذا كرر عبارته الشهيرة: «لم أكن مجنوناً، كنت فقط أريد أن أصبح كاتباً»، بعد خروجه من المستشفى لم تتحول حياته فوراً إلى قصة نجاح، مرّ بفترات من الضياع والتجارب المتطرفة والسفر والعمل فى المسرح والصحافة والأغنية.
كما تعرّض لاحقاً للاعتقال والتعذيب خلال الحكم العسكرى فى البرازيل بسبب نشاطه الثقافى وعلاقاته ببعض الحركات الفنية المعارضة، لكن «كويلو» ظل يعتبر تجربة المصحة النفسية نقطة مفصلية فى حياته، فقد جعلته يتساءل: من الذى يحدد معنى العقل والجنون؟ وهل الاختلاف عن المجتمع مرض أم مجرد اختلاف؟ هذه الأسئلة أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من أعماله الأدبية، وخاصة رواية Veronika Decides to Die، التى قال إنها كانت أقرب أعماله إلى تجربته الشخصية، وفى سنوات نجاحه بعد نشر The Alchemist، عاد «كويلو» للحديث عن تلك المرحلة بلا مرارة كبيرة تجاه والديه، بل قال إنه أصبح يفهم أنهما كانا يعتقدان أنهما يساعدانه ويحاولان حمايته، حتى لو كانت الوسيلة التى اختاراها قد سببت له ألماً عميقاً.
ولهذا لم يقدم قصته بوصفها حكاية «شرير وضحية»، بل بوصفها مثالاً على خوف المجتمع من الأشخاص الذين يختارون طريقاً مختلفاً عن المألوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك