آثر صناع السياسة النقدية في تركيا الترقب والانتظار ريثما تتضح آثار التوترات في المنطقة وتتبدد تداعيات الحرب على إيران، التي انعكست على إمدادات الطاقة والمواد الأولية وأسعارها.
وفي هذا الإطار، قرر البنك المركزي التركي، اليوم الخميس، تثبيت سعر الفائدة للشهر الرابع على التوالي عند 37%، مع الإبقاء على سعر الإقراض لليلة واحدة عند 40%.
وجاء القرار متوافقاً مع توقعات الأسواق التي رجحت تثبيت أسعار الفائدة وعدم رفعها في ظل التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين السائدة، في خطوة انسجمت مع توقعات المحللين باستمرار السياسة النقدية المتشددة وعدم الاتجاه إلى خفض الفائدة، رغم أن بعض الخبراء يرون ضرورة رفعها لكبح التضخم الذي تجاوزت نسبته 32.
6% الشهر الماضي.
وفضّل البنك المركزي التركي عدم المجازفة بتحريك أسعار الفائدة، سواء بالرفع أو الخفض، حفاظاً على الاستقرار النسبي في الأسواق وعلى سعر الصرف الذي يواصل تراجعه بوتيرة بطيئة.
وسجّلت الليرة التركية، اليوم الخميس، 46.
1564 ليرة مقابل الدولار، و53.
341 ليرة مقابل اليورو، من دون أن تتأثر مباشرة بقرار البنك المركزي.
وانقسمت التوقعات، محلياً ودولياً، بشأن الخطوة التي اتخذها البنك المركزي، والتي يرى مراقبون أنها تؤثر في التضخم ونشاط الأسواق، والأهم في سعر صرف الليرة.
وفي السياق، يرى الاقتصادي خليل أوزون، في حديث لـ" العربي الجديد"، أنّ تثبيت سعر الفائدة هو الخيار الأفضل في المرحلة الحالية، نظراً للواقع الإقليمي والتوترات المفتوحة على جميع الاحتمالات.
ويضيف أنّ الأشهر المقبلة ستشهد نشاطاً سياحياً متزايداً وارتفاعاً في الصادرات، ما يعني زيادة في تدفقات النقد الأجنبي وتراجعاً في عجز الحساب الجاري، الأمر الذي قد يساهم في استقرار سعر الصرف أو تحسن الليرة.
وعندها قد يصبح المناخ مناسباً لبدء خفض أسعار الفائدة تدريجياً بمقدار 100 إلى 200 نقطة أساس في كل اجتماع.
في المقابل، يرى المحلل جيواد غوك أنّ رفع أسعار الفائدة أصبح ضرورة قصوى في هذه المرحلة، بسبب استمرار تراجع سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم.
ويضيف لـ" العربي الجديد" أنّ الاعتماد على التدخل المباشر للبنك المركزي واستنزاف الاحتياطيات يؤثر في الثقة بالاقتصاد التركي، بينما يمكن لرفع الفائدة، ولو بمقدار 0.
01%، أن يخفف الضغط على الليرة ويحد نسبياً من فائض السيولة بالعملة المحلية، فضلاً عن إعطاء إشارة إيجابية للأسواق بأن السياسة الاقتصادية تتماشى مع الواقع الاقتصادي.
في المقابل، رجحت مؤسسات مالية دولية عدة تثبيت سعر الفائدة، من بينها" مورغان ستانلي"، و" ستاندرد تشارترد"، و" إتش إس بي سي"، و" سيتي"، و" دويتشه بنك"، و" آي إن جي غلوبال"، و" غولدمان ساكس"، و" بنك أوف أميركا"، إذ توقعت جميعها أن يبقي البنك المركزي التركي سعر الفائدة عند 37% خلال الشهر الحالي.
وكان البنك قد خفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 0.
01% إلى 37% في أول اجتماع له هذا العام، قبل أن يعتمد سياسة الترقب والانتظار في الاجتماعات اللاحقة من دون إجراء أي تعديل على أسعار الفائدة، كما لم يعقد اجتماعه المقرر في مايو/ أيار.
لا تزال معدلات التضخم المرتفعة تشكل الهاجس الأكبر للحكومة التركية وأحد أهم أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي، نظراً لتأثيرها المباشر على النشاط الاقتصادي ومستويات المعيشة.
ووفقاً لاتحاد العمال التركي، تجاوزت كلفة معيشة الأسرة 114 ألف ليرة شهرياً، في حين لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص 28 ألف ليرة، بينما يبلغ في القطاع الحكومي نحو 65 ألف ليرة.
وأجبرت معدلات التضخم المرتفعة الحكومة التركية على تعديل أهدافها الاقتصادية للسنوات المقبلة.
فقد أعلن محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان رفع الهدف المؤقت للتضخم لعام 2026 من 16% إلى 24%، موضحاً أن حالة عدم اليقين دفعت البنك إلى تعليق التواصل بشأن نطاق التوقعات.
وتوقع كاراهان أن يبلغ معدل التضخم 26% بنهاية عام 2026، ثم يتراجع إلى 15% في عام 2027 و9% في عام 2028.
وأكد المحافظ، خلال عرض تقرير التضخم 2026-II، أن التأثير السريع للحرب، ولا سيما على أسعار خدمات الطاقة والنقل، انعكس مباشرة على التضخم وأثر في خطط وأهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وأضاف أن البنك المركزي سيأخذ هذه التطورات في الاعتبار عند اتخاذ قرارات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، مؤكداً استمرار استخدام جميع الأدوات المتاحة بما يتوافق مع الهدف الأساسي المتمثل في تحقيق استقرار الأسعار.
وأشار كاراهان إلى أن التوترات التي بدأت في المنطقة نهاية فبراير/ شباط 2026 أدت إلى صدمات سلبية في جانب العرض، ما جعلها عاملاً رئيسياً في تشكيل توقعات التضخم على المدى القصير.
وأضاف أن أسعار المواد الغذائية كانت من بين العوامل الأخرى المؤثرة في مسار التضخم، مؤكداً أن تركيا حافظت رغم ذلك على موقف نقدي متشدد وأبقت أسعار الفائدة دون تغيير.
تعديلات أسعار الفائدة" ليست كافية"من جانبه، يرى وكيل وزارة الخزانة السابق وأستاذ المالية في جامعة بيلجي، ماهفي إغيلمز، أنّ تعديلات أسعار الفائدة والضرائب وحدها ليست كافية لمكافحة التضخم، وأن خفضه بصورة مستدامة يتطلب تحسين التوقعات الاقتصادية وتنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز الثقة.
ويشير إغيلمز، في تصريحات صحافية أدلى بها اليوم الخميس، إلى أن رفع سعر الفائدة قد يكون الخيار الأفضل من ناحية التواصل مع الأسواق، لكنه يشدد في الوقت عينه على أنّ المشكلة الأساسية تكمن في التوقعات السلبية وضعف القدرة على التنبؤ بالسياسات الاقتصادية.
ويضيف أن مكافحة التضخم ليست مجرد قضية تتعلق بالسياسة النقدية، بل هي بالأساس قضية ثقة.
ويوضح في هذا السياق: " لا يمكن تحقيق انخفاض مستدام في التضخم طالما استمرت عوامل المخاطر في التزايد.
وما لم تُنفذ إصلاحات هيكلية حقيقية، فستبقى تركيا معتمدة على تدفقات الأموال الساخنة قصيرة الأجل بدلاً من جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة".
ويختم بالقول: " الأموال الساخنة تولد الهشاشة لا الاستقرار، ولا يبدأ خفض التضخم الحقيقي إلا عندما تُبنى الثقة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك