تنظم الطريقة القادرية البودشيشية، يوم الجمعة 26 يونيو 2026 بمسرح المنصور بالرباط.
ندوة علمية في موضوع: " إمارة المؤمنين وصيانة الهدي النبوي".
تأتي هذه الندوة العلمية في سياق الاحتفاء بذكرى مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول ﷺ، باعتبارها مناسبة علمية وروحية لاستحضار ما تختزنه هذه الذكرى من دلالاتٍ عميقة ومعانٍ متجددة، والوقوف عند أبعادها التربوية والإنسانية والحضارية.
وتتخلل الندوة قراءات في مضامين الرسالة الملكية الموجهة إلى المجلس العلمي الأعلى، باعتبارها وثيقةً مرجعية جامعة، تضمنت توجيهات مولوية سامية تروم إحياء هذه المناسبة النبوية العطرة بما يليق بمقامها، وجعلها مناسبةً لتجديد الصلة بمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعريف بمكارمه وشمائله، وتعميق الوعي بما تختزنه الهوية الدينية المغربية من مقوماتٍ روحية وحضارية أصيلة، ارتبطت، عبر تاريخها، بالتعلق الوثيق بالجناب المحمدي الشريف.
ولا يخفى ما تكتسيه هذه المناسبة من بعد حضاري خاص، بالنظر إلى كون أمير المؤمنين هو من نبَّه، على مستوى العالم الإسلامي، إلى هذه الذكرى وما تحمله من دلالة رمزية وتاريخية مرتبطة بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول ﷺ، في التفاتةٍ مولوية رفيعة تعكس عمق تعلق جلالته بالجناب النبوي الشريف، امتدادًا لما درج عليه ملوك الدولة المغربية، عبر تاريخها، من محبةٍ صادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنايةٍ متواصلة بإحياء معالم سنته وشمائله والتعريف برسالته الخالدة.
ومن ثم، فإن هذه المبادرة الملكية تمثل إحدى المفاخر الحضارية والدينية، لما تحمله من دلالات الوفاء للهوية الروحية للأمة، والحرص على تجديد حضور المحبة النبوية في الوجدان الفردي والجماعي، باعتبارها عنصرًا مركزيًا في البناء الديني والحضاري للمغرب، وهو ما يؤكد استمرار الدور التاريخي لإمارة المؤمنين في صيانة الثوابت وحفظ الخصوصية الروحية والهوية الدينية للمملكة المغربية.
لقد تضمنت الرسالة الملكية، في سياق دعوتها إلى تخليد هذه الذكرى المباركة، جملةً من المعالم الكبرى التي تشكل أصول التدين المغربي، وتعكس الخصوصية الروحية والحضارية للمملكة، بما تقوم عليه من ثوابت دينية ومقومات حضارية حافظت، عبر القرون، على توازن الشخصية المغربية وتميزها.
وقد تجسد ذلك بوضوح في التوجيهات الواردة في هذه الرسالة، التي جاءت معبرةً عن الامتداد التاريخي لما درج عليه المغاربة من تعظيمٍ للجناب النبوي الشريف، وتمسكٍ بالسنة المطهرة، وربطٍ وثيق بين التدين الصحيح والمحبة الصادقة لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما يجعل من المحبة النبوية أساسًا جامعًا لبناء الوعي الديني والسلوك القيمي والارتقاء الروحي.
إن الرسالة الملكية، بقدر ما أبرزت معالم التدين المغربي الأصيل بوصفه عمقًا تاريخيًا وروحيًا للهوية الدينية المغربية، بقدر ما جعلت من هذه المعالم مرجعًا لتوجيهاتها السامية الرامية إلى إحيائها وتجديد حضورها في الواقع، بما يحفظ أصولها ويعزز قدرتها على مواكبة تحولات العصر وتحدياته الفكرية والثقافية والاجتماعية، دون انفصالٍ عن مرجعيتها الأصيلة أو تفريطٍ في ثوابتها الجامعة.
كما كشفت هذه الرسالة، في جانبٍ مهم من مضامينها، عن طبيعة السمات التي تحملها الهوية التدينية للمغاربة باعتبارها هويةً تقوم على الوسطية والاعتدال، وتستحضر الأبعاد الحضارية والجمالية والإنسانية للدين، فضلًا عن مركزية البعد الإحساني الذي جسدته مؤسسة الزاوية عبر التاريخ، بما اضطلعت به من أدوار تربوية وروحية واجتماعية أسهمت في ترسيخ الأمن الروحي وصيانة التوازن القيمي للمجتمع المغربي.
ومن هنا تبدو الرسالة الملكية حاملةً لهمِّ الحفاظ على الشخصية الدينية المغربية وصيانة خصوصيتها الحضارية، خاصة في ظل التحولات المعاصرة وما تفرضه من تحديات فكرية وثقافية وقيمية، بما يعزز الحاجة إلى تجديد الوعي بالمرجعية الدينية المغربية وترسيخ مقوماتها الروحية والحضارية في الواقع المعاصر.
وهكذا فإن لهذه التوجيهات الملكية أبعادًا متعددة ووظائف متكاملة؛ فهي تحمل بُعدًا تأصيليًا يروم حفظ الأصول الشرعية والثوابت الدينية، كما تؤدي وظيفة الإحياء والتجديد، وأيضًا تسعى إلى تحفيز مختلف المؤسسات والفاعلين على تنزيل هذه القيم والأصول في الواقع التربوي والاجتماعي والثقافي، عبر الوسائط والآليات العصرية الكفيلة بضمان استمرار حضورها وتأثيرها في المجتمع.
وإذا كانت الرسالة الملكية قد رسمت، من خلال مضامينها، معالم الهوية الدينية المغربية وحددت جملةً من الأصول التي قام عليها التدين المغربي عبر تاريخه الطويل، فإن من المشروع علميًا ومنهجيًا التساؤل عن مدى حضور هذه المعالم داخل بعض المؤسسات الروحية والعلمية التي ما تزال تضطلع بأدوار تربوية ودينية داخل المجتمع المغربي، وعن الكيفية التي يمكن من خلالها استثمار هذه المرجعية في تعزيز الأمن الروحي وترسيخ قيم الاعتدال والتزكية وسائر القيم المحمدية الخالدة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الطريقة القادرية البودشيشية باعتبارها نموذجًا صوفيًا مغربيًا معاصرًا حافظ، من خلال وظائفه التربوية والروحية، على الامتداد الأصيل للمرجعية الدينية المغربية بما تحمله من أصول وثوابت، وهو ما يجعل الوقوف عند أوجه الانسجام بين عملها ومضامين الرسالة الملكية، والسعي إلى استجلاء مظاهر تنزيل هذه المضامين في الواقع العملي والتربوي لهذه الطريقة، أمرًا ذا دلالة علمية ومنهجية، لا سيما فيما يتعلق بالمحبة النبوية، والتزكية، وخدمة القرآن الكريم والسنة النبوية، وترسيخ قيم الإسلام المعتدل، والوفاء لثابت إمارة المؤمنين.
وعليه، ستتوزع أشغال هذه الندوة على شقين متكاملين: شقٍّ تحليلي يُعنى بدراسة مضامين الرسالة الملكية والوقوف عند دلالات هذه الذكرى المباركة وأبعادها الحضارية والروحية، وشقٍّ تنزيلي يتناول إمكانات تفعيل هذه المضامين وتنزيلها في الواقع العملي، من خلال استحضار نموذج العمل الصوفي الذي تقدمه الطريقة القادرية البودشيشية، باعتبارها نموذجًا معاصرًا يجسد امتدادًا أصيلًا للوظائف التربوية والروحية التي شكلت جزءًا من الهوية الدينية المغربية، مع الوقوف عند أوجه التلاقي والانسجام بين عملها ومضامين الرسالة الملكية السامية، والمشاريع الممكنة في برامجها التربوية لتنزيل مضامين هذه الرسالة الملكية السامية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك