- إشادة الرئيس بوتين بالرئيس السيسي تقدير دولي لدور مصر المحوري في تسوية الأزمات وصناعة الاستقرار- بوتين يثمّن دور الرئيس السيسي في إدارة الملفات الأكثر تعقيدا بالشرق الأوسط- مصر تكرّس مكانتها كجسر للحوار وقوة داعمة للاستقرار الإقليمي- القاهرة وموسكو.
علاقات تتجاوز المصالح إلى شراكة إستراتيجية متصاعدةفي عالم السياسة لا توزع كلمات التقدير مجانا، ولا تمنح شهادات الثقة على سبيل المجاملة، خاصة حين تصدر عن قادة دول كبرى يدركون جيدا وزن الكلمات وحسابات المواقف، لذلك جاءت إشادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس عبد الفتاح السيسي لتتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية المعتادة، وتعكس تقديرًا حقيقيا لدور مصري بات حاضرا بقوة في واحدة من أكثر المناطق اضطرابا وتعقيدا في العالم.
فخلال لقائه ممثلي وكالات الأنباء العالمية، لم يكتف بوتين بتوجيه الشكر للرئيس السيسي على اهتمامه بدعم العلاقات المصرية- الروسية، بل حرص على الإشادة بجهوده في تسوية أزمات الشرق الأوسط، مؤكدًا معرفته بالدور النشط الذي يقوم به الرئيس المصري في التواصل مع مختلف الأطراف المعنية بالأزمات الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والأزمة الإيرانية.
هذه الكلمات تحمل في طياتها دلالات أعمق بكثير من ظاهرها، فعندما يتحدث رئيس دولة بحجم روسيا عن رئيس دولة أخرى باعتباره شريكا موثوقا وصديقا يعمل بجدية من أجل الاستقرار والسلام، فإن الأمر يعكس مكانة سياسية اكتسبت عبر سنوات من العمل المتواصل والحضور المؤثر في الملفات الإقليمية والدولية.
لقد استطاعت مصر خلال السنوات الأخيرة أن تستعيد موقعها الطبيعي كركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط، وأن تقدم نموذجا للدولة التي توازن بين حماية مصالحها الوطنية والانخراط المسؤول في معالجة القضايا الإقليمية المعقدة، وفي قلب هذا الدور برزت رؤية الرئيس السيسي القائمة على الحوار والحلول السياسية ورفض الانزلاق نحو الفوضى أو الصراعات المفتوحة.
ولعل القضية الفلسطينية تمثل النموذج الأبرز لهذا النهج، فمنذ اندلاع الأزمات المتتالية في الأراضي الفلسطينية، ظلت مصر تتحرك على جميع المستويات السياسية والإنسانية والدبلوماسية، مدفوعة بإيمان راسخ بأن تحقيق السلام العادل والشامل يبدأ من ضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة، ولم يكن غريبا أن يشير بوتين بشكل واضح إلى هذه الجهود، مؤكدًا دعم روسيا القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية، في رسالة تعكس وجود مساحة مشتركة من التفاهم بين القاهرة وموسكو تجاه أحد أهم ملفات المنطقة.
لكن أهمية الدور المصري لا تتوقف عند القضية الفلسطينية وحدها، فالمنطقة تعيش حالة غير مسبوقة من التوترات المتشابكة، بدءا من الأزمات الأمنية والسياسية، وصولا إلى التحديات الاقتصادية والإنسانية، وفي ظل هذه الظروف، حافظت مصر على قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، ونجحت في الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية على حد سواء، وهو ما جعلها طرفا موثوقا في جهود التهدئة وتسوية النزاعات.
وحين قال بوتين إنه يعلم أن الرئيس السيسي يشارك بنشاط في تسوية الأزمة الإيرانية ويتواصل مع جميع الأطراف، فإنه كان يسلط الضوء على إحدى أهم نقاط القوة في السياسة الخارجية المصرية، وهي القدرة على بناء الجسور وفتح قنوات الحوار حتى في أكثر الملفات حساسية وتعقيدا، فالدبلوماسية المصرية لم تنطلق يوما من منطق الاستقطاب أو الانحياز الأعمى، بل من قناعة راسخة بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا عبر التفاهم والحوار وتغليب المصالح المشتركة، ومن هنا يمكن فهم السبب وراء المكانة الخاصة التي تحظى بها مصر لدى العديد من القوى الدولية الكبرى، فالقاهرة لم تعد مجرد دولة ذات ثقل تاريخي أو جغرافي فحسب، بل أصبحت لاعبا مؤثرا يمتلك رؤية واضحة وقدرة عملية على المساهمة في إدارة الأزمات وصناعة التوافقات.
وفي سياق حديثه، وصف بوتين الرئيس السيسي بأنه صديق له ولروسيا، وهي عبارة تحمل دلالات سياسية مهمة، فالعلاقات بين الدول لا تبنى على العواطف وحدها، لكنها تحتاج إلى الثقة والاحترام المتبادل وإدراك المصالح المشتركة.
وعلى مدار السنوات الماضية شهدت العلاقات المصرية- الروسية تطورا ملحوظا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية، وهو تطور لم يكن ليحدث بهذا الزخم لولا وجود إرادة سياسية حقيقية لدى قيادتي البلدين، وقد أشار الرئيس الروسي إلى عدد من المشروعات الكبرى التي تجسد هذا التعاون، وفي مقدمتها المنطقة الصناعية الروسية ومحطة الضبعة النووية، وهما مشروعان يعكسان حجم الشراكة المتصاعدة بين القاهرة وموسكو، كما يعبران عن رؤية مصرية طموحة تستهدف تعزيز التنمية ونقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة التعاون الاقتصادي مع مختلف الشركاء الدوليين.
إن المتابع للمشهد الدولي يدرك أن مصر نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة مع الشرق والغرب في آنٍ واحد، دون أن تكون أسيرة لمحور أو رهينة لتوجه بعينه، وهذه السياسة القائمة على تنويع الشراكات والانفتاح على الجميع عززت من قدرة الدولة المصرية على التحرك بحرية أكبر في الملفات الدولية والإقليمية، ومنحتها مساحة أوسع للدفاع عن مصالحها الوطنية ودعم قضايا المنطقة، لذلك فإن كلمات بوتين لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إشادة بروتوكولية عابرة، بل باعتبارها شهادة جديدة على نجاح السياسة المصرية في فرض حضورها واحترامها على الساحة الدولية، وهي شهادة تأتي من دولة كبرى تدرك جيدا حجم التحديات التي تواجه المنطقة، وتتابع عن قرب الجهود المبذولة للحفاظ على الاستقرار ومنع اتساع دوائر الصراع، وحين يأتي التقدير من موسكو، كما يأتي من عواصم أخرى حول العالم، فإن الرسالة الأهم ليست في كلمات الشكر ذاتها، بل فيما تعكسه من اعتراف متزايد بمكانة مصر ودورها، وبالجهود التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي لترسيخ الاستقرار في منطقة لا تزال تبحث عن السلام وسط عواصف لا تهدأ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك