رفعت" غولدمان ساكس" مؤخراً توقعاتها لسعر النحاس بنسبة 10% إلى 13,735 دولاراً للطن بنهاية العام، في إشارة إلى استمرار الضغوط الصعودية على أسواق المعادن الأساسية، وفق تقديرات حديثة لبنوك استثمارية.
ويقول مسؤولون تنفيذيون ومحللون إن حرب إيران خلقت ما يشبه" ضغطاً فائقاً" (Super-Squeeze) في أسواق المعادن الصناعية مثل النحاس والألمنيوم، في ظل ظروف عرض شديدة الضيق يُتوقع أن تبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة لسنوات مقبلة، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة" فاينانشال تايمز"، واطلعت عليه" العربية Business".
يقترب سعر النحاس من أعلى مستوى إغلاق قياسي له، بينما يسجل الألمنيوم أعلى مستوى في أربع سنوات، مدعوماً بطلب قوي من مراكز البيانات التي تعتمد على النحاس في التوصيلات الكهربائية، والألمنيوم في هياكل الخوادم، إضافةً إلى توسع شبكات الكهرباء والطلب المرتبط بالسيارات الكهربائية.
وفي المقابل، تضرر جانب العرض نتيجة الحرب في الشرق الأوسط والاقتراب من إغلاق مضيق هرمز، وهو ما انعكس على تدفقات الإمدادات العالمية.
وتعكس التحركات الحادة الأخيرة كيف امتدت تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، المستمرة منذ أربعة أشهر، إلى أسواق السلع الأولية خارج النفط والغاز.
لكن، على عكس أسواق الطاقة التي تتمتع عادةً بوفرة نسبية في المعروض العالمي، كانت بعض أسواق المعادن الصناعية تعاني بالفعل من مخاوف نقص الإمدادات قبل اندلاع الحرب.
وقال كريغ ميلر، الرئيس التنفيذي لشركة فالتيرا بلاتينيوم للتعدين في جنوب أفريقيا: " نحن نتجه نحو بيئةً أكثر تشدداً في العرض عبر معظم السلع".
وأضاف أن الطلب على المعادن سيواصل الارتفاع مدفوعاً بالتحول في قطاع الطاقة ونمو الذكاء الاصطناعي، بينما لم يشهد جانب العرض نمواً موازياً.
وامتدت تداعيات الحرب إلى رفع تكاليف تشغيل المناجم، نتيجة ارتفاع أسعار الديزل المستخدم في تشغيل المعدات الثقيلة، إلى جانب صعود سعر حمض الكبريتيك، وهو عنصر أساسي في إنتاج النحاس والنيكل.
وقال جيمس هايتر، المدير الاستثماري في" أوريون ريسورس إكويتيز"، إنه مندهشٌ من عدم ارتفاع الأسعار بشكلٍ أكبر رغم هذه الضغوط.
وأضاف: " هناك مشكلةً هيكلية في العديد من أسواق السلع، والأسعار ستحتاج إلى الارتفاع بشكلٍ ملموس".
في سوق النحاس، كان من المتوقع بالفعل تسجيل عجز خلال العام الحالي نتيجة اضطرابات في مناجم رئيسية، لكن الحرب في الشرق الأوسط زادت الضغوط على الإمدادات.
وارتفعت أسعار الكبريت، وهو منتج ثانوي لتكرير النفط، إلى أكثر من الضعف، ما أثر بدوره على إنتاج النحاس.
وتشير تقديرات شركة" وود ماكنزي" إلى أن اضطرابات إمدادات الكبريت قد تؤدي إلى خسارةً تصل إلى 125 ألف طن من إنتاج النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما قد تتعرض 200 ألف طن إضافية للخطر في تشيلي، وفقاً لتحذيرات محللة" مورغان ستانلي"، إيمي غاور.
وقالت: " يبدو أن تأمين إمدادات النحاس أصبح أكثر صعوبةً".
قامت مجموعة" غولدمان ساكس" برفع تقديراتها لعجز النحاس من 60 ألف طن إلى 640 ألف طن خارج السوق الأميركية، بسبب اضطرابات في الإمدادات من مناجم رئيسية مثل" غراسبرغ" في إندونيسيا و" كاموا-كاكولا" في الكونغو.
كما رفعت البنك توقعاته لسعر النحاس بنسبة 10% إلى 13,735 دولاراً للطن بنهاية العام.
ويرى مسؤولون في قطاع التعدين أن هذا النقص يتراكم منذ سنوات، نتيجة ضغوط المستثمرين على الشركات للالتزام بالانضباط الرأسمالي وتقليل الإنفاق على مشاريع جديدة.
وقال كوبوس لوتس، الرئيس التنفيذي لشركة" بانا أفريكان ريسورسز": " منذ مطلع الألفية، كان المستثمرون يدفعون الشركات لتقليل الإنفاق، والآن نحن أمام حاجةً لتعويض هذا النقص الاستثماري".
في سوق الألمنيوم، كان لتداعيات الحرب أثر مباشر، إذ تمثل منطقة الشرق الأوسط نحو 10% من الإنتاج العالمي المكرر.
وأدت الهجمات على منشآت إنتاج رئيسية إلى خفض الإنتاج، إلى جانب صعوبات في الحصول على المواد الخام اللازمة للمصاهر بسبب اضطرابات النقل عبر المضيق.
ويرى محللون أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب يدفع دولاً وشركات إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، وهو ما قد يعزز الطلب على النحاس والألمنيوم على المدى المتوسط.
وقال بول بلوكسهام، كبير الاقتصاديين في بنك إتش إس بي سي: " هذه دورة مختلفة عن الدورات السابقة لأنها مدفوعة بصدمةً في العرض أكثر من كونها طفرةً في الطلب".
لكنه حذر من أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يتحول إلى عبءً على الاقتصاد العالمي إذا تسبب في تباطؤ النمو وتقليص الطلب.
وفي الوقت الحالي، لا تظهر الأسواق أي إشارات واضحة على تراجع الطلب، إذ يقول جان-سيباستيان بيلاند من شركة Eland Cables: " لا نرى حتى الآن أي تراجع في الطلب، خاصةً في مشاريع الطاقة المتجددة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك